المثال النسكي والعهد الجديد

تأملات في نقد اللاهوت الإصلاحي

الأب جورج فلوروفسكي

إذا كان المثال الرهباني هو الاتحاد بالله من خلال الصلاة والتواضع والطاعة والإقرار المستمر بالخطايا، طوعياً أو كرهياً، ومن خلال التخلي عن قيم هذا العالم، كما من خلال الفقر والعفة ومحبة الجنس البشري ومحبة الله، فهل هذا المثال مسيحي؟ فبالنسبة للبعض أن مجرد طرح هكذا سؤال يبدو غير مألوف وغريب. ولكن تاريخ المسيحية، خاصةً الموقف اللاهوتي الجديد الذي أُحرز كنتيجة لحركة الإصلاح الديني، يفرض هكذا سؤال ويطلب جواباً جدياً. فإذا كان المثال الرهباني هو الحصول على حرية روحية مبدعة، وإذا كان المثال الرهباني يُدرك أن الحرية تحصل فقط في الله الآب والله الابن والله الروح القدس، وإذا أكّد الفكر الرهباني أن السبيل كب تصبح حراً بحسب علم الكائنات والوجود هو أن تصبح عبداً لله، هذا الطريق الذي فيه تصبح الإنسانية جمعاء متأنسة تماماً لأن الوجود المخلوق للبشرية متوقف على الله، وهو بذاته محاطٌ على الجهتين بالعدم، إذاً هل هذا المثال مسيحي؟ هل هذا مثال كتابي-من العهد الجديد؟ أو هل هذا المثال الرهباني هو تشويه للمسيحية الحقيقية وعبودية للأعمال الرهبانية القويمة كما يدّعي مناهضو الفكر الرهباني؟

أهمية البريّة

ذهب ربنا إلى البرية عندما كان على وشك أن يبدأ رسالته. لقد كان لربنا خيارات ولكنه اختار أو بالأحرى "كان يُقتاد بالروح" إلى البرية. من الواضح أن هذا العمل ليس بلا معنى وليس اختيار نوع المكان من غير أهمية. وهناك في البرية ينشغل الرب في معركة روحية وذلك لأنه "صام أربعين يوماً وأربعين ليلة". لقد أضاف إنجيل القديس مرقس أن ربنا "كان مع الوحوش". ربنا الإله الإنسان كان إلهاً حق وإنساناً حق. وبمعزل عن عمل ربنا الخلاصي الذي ينفرد به وحده، فهو يدعونا كب نتبعه. "إتبّاع" ربنا ليس اختياراً لبعض النواحي النفسية المقبولة من حياة ربنا وتعاليمه، بل تشمل الكل ويجب علينا أن نتبع ربنا في كل شأن ممكن. "الذهاب إلى البرية" هو "إتبّاع" ربنا. إنه جدير بالاهتمام ذلك أن ربنا قد رجع إلى البرية بعد موت القديس يوحنا المعمدان. إن هناك سبب واضح لهذا "فلما سمع يسوع (عن موت يوحنا المعمدان) انصرف من هناك في سفينة إلى موضع خلاء منفرداً".

عندما ذهب القديس أنطونيوس إلى البرية فقد أخذ بالفعل ربنا مثالاً وتبعه وهذا لا ينقص مطلقاً من عمل ربنا الشافي والفريد، ولا يجعل من ربنا الإله، أي الإله-الإنسان، مجر مثال، لإذ إن ربنا قد علّم وأطلق أمثالاً بالإضافة إلى عمله الخلاصي الذي لا يمكن أن يتم إلا به.

فالقديس أنطونيوس بذهابه إلى البرية يسير على خطوات ربنا ويطأ أرضاً قد سبق وهدمت وطبعت من قبله كمكان خاص بالصراع الروحي. إذاً في البرية يوجد الخاصية والنموذج. أما في تلك المناطق الجغرافية حيث لا يوجد براري فيوجد أمكنة تشبه أو تقارب نوع الأمكنة التي يرمز إليها بكلمة "برية".

إنه ذلك النوع من الأمكنة الذي يمنح العزاء والعزلة لقلب الإنسان. إنه المكان الذي يضع قلب الإنسان في حالة الوحدة، في الحالة التي تؤدي إلى التأمل والصلاة والصوم والتفكير في وجودنا العميق وفي علاقتنا مع الحقيقة الجوهرية مع الله. وعلاوة على ذلك، إنه المكان حيث الحقيقة الروحية أكثر قوة وحيث الحياة الروحية تكثف وفي نفس الوقت حيث تصبح القوة المعادية للحياة الروحية أكثر سيطرة. إنها أرض، ساحة قتال، ولكنها روحية. إن ربنا هو المتقدم وليس القديس أنطونيوس. يقول ربنا "هؤلاء هم الذين زرعوا بين الشوك، هؤلاء هم الذين يسمعون الكلمة وهموم هذا العالم وغرور الغنى وشهوات سائر الأشياء تدخل وتخنق الكلمة فتصير بلا ثمر". فالبرية أو أي مكان مثلها يوقف هموم أو قلاقل هذا العالم ومخادعه وغش الغنى الأرضي. إنها تقطع الفرد تماماً عن الانهماك بالشؤون الدنيوية وبالضبط إذ ذاك تحوي في ذاتها سبباً روحياً قوياً لوجودها ضمن طرق الكنيسة الروحية. لكن ليس كسبيل وحيد، وليس كسبيل لكل فرد بل كطريق واحد كامل حقيقي للحياة المسيحية.

إنجيل متى

إن ربنا في إنجيل متى (16:5) هو الذي استعمل عبارة "الأعمال الحسنة": "فليضئ نوركم هكذا قدام الناس كي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات". وبحسب سياق الكلام، فهذه "الأعمال الحسنة" قد وُصفت في النص الذي سبق التطويبات "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض. طوبى للجياع والعطاش للبر لأنهم سيشبعون. كوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله". إلا يعتبر جزءً متمماً للهدف الرهباني أن يصبح المرء وديعاً، أن يجوع ويعطش من أجل البر ويصبح نقياً في القلب؟ هذا بالطبع يجب أن يكون هدف كل المسيحيين ولكن الرهبنة هي التي تجعلها جزءً تاماً من حياتها النسكية، لا يمكن أن تقص بأي شكل.أليست التطويبات أكثر من مجرد تعابير منمقة؟ أليست التطويبات جزءً من وصايا ربنا؟ إن ربنا في متى (19:5) يعبّر عن فكرة ذات معنى عميق، بالأحرى عن تحذير. "فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلّم الناس هكذا يُدعى أصغر في ملكوت الله". وفي هذا السياق ظل ربنا يعمّق معنى الناموس القديم عبر دلالة جديدة روحية تخترق داخل النفس، إنه لم يلغِ أو يبطل الناموس بل مدده إلى أقصى الحدود المنطقية والوجودية لأنه يدفع المعنى الروحي للناموس إلى أعماق الوجود الداخلي للجنس البشري.

"قد سمعتم أنه قيل للقدماء أما أنا فأقول لكم" الآن مع تعميق الحدود الروحية للناموس، القديم يبقى، إنه الأساس ولكن حقيقته الروحية تشير إلى مصدره. "لا تقتل" تصبح مرتبطة بقوة الأ"غضب" وأما أنا فأقول لكم إن كل مَن يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم". والعمل الخارجي لم يعد النقطة البؤرية الوحيدة بل المصدر والنية. والدافع يجب أن يعتبر الآن كالتربة التي منها ينبثق العمل الخارجي. على الجنس البشري أن يحترس ويحمي ويضبط وينقي العواطف ومواقف الغضب، وفي فعل ذلك تعتبر تلك المواقف في ضوء العمل الخارجي للقتل أو الجريمة. لقد وصل ربنا إلى أقصى أعماق القلب البشري واستهدف مصدر العمل الخارجي في قوله "لا تزنِ وأما أنا فأقول لكم ان كل مَن ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه". فمن المنظار الروحي الشخص الذي لا يفعل خارجياً ولكن يشتهي داخلياً فهو بنفس الحجم عرضة لواقع الزنى. "سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات".

قصور النقد لمؤلفه أندرز نيجرن

بالواقع إن الفكرة المسيحية عن الحب الإلهي هي شيء جديد ولكنها ليس شيئاً مستغرباً إصلاحياً لدرجة أن النفس البشرية لا تستطيع فهمها. فهي لست "إعادة تقييم للقسم القديمة" كما ادّعى اندرز نيجرن في بحثه الطويل "المحبة والعشق" (Agape and Eros). على الرغم من أن هناك بعض نواحي الحقيقة في بعض تعابير نيجرن إلا أن حجته إلى حد بعيد غير صحيحة. فهو، بقراءته للعهد الجديد والكنيسة الأولى، يعيد (يكرر؟) مواقف لوثر الأساسية بدل التعاطي مع الفكر المسيحي الأول في داخل محيطه. هكذا مقاربة تحمل القليل من الثمر الحقيقي وغالباً، كما في موقفه في هذا البحث، ما تشوّه المصادر الأصلية بافتراضات دخلت تاريخ الفكر المسيحي منذ 1500 سنة بعد ما غيّر ربنا الطبيعة البشرية بحقيقتها بواسطة دخوله الوجود البشري كإله وإنسان. هناك الكثير مما يثير الاهتمام في لوثر وما هو قابل للفهم وحقيقي، ولكن أيضاً يوجد عنده الكثير الذي لا يتوافق ولغة المسيحية الأولى. وهنا يقع الانقسام العظيم في الحوار المسكوني (الجامع لجميع الكنائس المسيحية في العالم). ولكي يثمر الحوار المسكوني يجب أن لا يُسكت عن الخلافات التي تفرّق الكنائس. بل بالأحرى يجب أن تُعلَن وتُبحث بصراحة واحترام ودقة. لدى لوثر الكثير مما يستطيع لاهوتيو الأرثوذكس الشرقيون أن يتوافقوا معه عليه. لكن الرهبنة تشكل المساحة التي يقع حولها الخلاف العميق بين الجانبين. حتى أن لوثر في البدء لم يرفض الرهبنة. والحركة اللوثرية الإصلاحية كانت نتيجة فهمه للعهد الجديد، هذا الفهم الذي دعاه لوثر "جديداً". وموقفه اللاهوتي تكوّن قبل بروز قضية الغفران وإعلان حججه الخمسة والتسعين. من هنا أن لنيجرن سبب في موقفه هذا في Agape and Eros كونه مؤيِداً للرؤية اللاهوتية اللوثرية. فقد حدد نيجرن تفسيره للمحبة Agape بواسطة المفهوم الذي يقول بقوى الله الواحدة. هذا المفهوم الذي هو حق في ذاته ولذاته لأن الله هو مصدر كل شيء. ولكن عندما نواجه سر الخلق، سر وجود "الآخر" الذي خلق الوجود والذي يشمل الجنس البشري، فإننا نواجه حالة مختلفة كلياً فالمعنى الوجودي والمتعلق بوجود الإنسان المخلوق هو في أن الله لم يكن بحاجة إلى خلق الإنسان، وفي أن هذا الفعل حر ومنبثق من الحرية الإلهية. لكن هنا الصعوبة الكبيرة التي أوجدتها المسيحية غير المتوافقة على مبدأ الرحمة والحرية. الله، في اختياره الحر لخلق الإنسان، شاء أن يعطي الإنسان حرية روحية داخلية. وهذا ليس بأي شكل من الأشكال موقفاً بيلاجياً أو نصف بيلاجي. فمبدأ التعاون المتوازن للكنيسة الأولى والشرقية أُسيء فهمه وشُوّه بواسطة المسيحية اللاتينية بشكل عام. ومنذ أوغسطين وحتى الآن، بالرغم من أن هناك دائماً معارضة لذلك في الكنيسة اللاتينية، يُفهم هذا المبدأ على أن الله يبدأ ويرافق ويتمم كل شيء في عملية الخلاص. فما رُفض دائماً عفوياً وعقلياً، هي فكرة الرحمة التي لا تُقاوَم، فكرة أن الإنسان ليس له دور مشارك في خلاصه. إن أي مشاركة للإنسان في خلاصه وأي حركة لإرادته وروحه باتجاه الله قد شبّهها نيجرن بالتشويه الوثني للمحبة Agape والعشق Eros. وهذا الموقف مع هذا المنظور اللاهوتي في الجوهر هو النقطة الفاصلة لرفض الرهبنة وأشكال أخرى من النسك والروحانية المألوفة لدى الكنيسة المسيحية منذ نشوئها.

إن كلمات الرب التي استشهدنا بها هنا لا يمكن أن يكون لها أساساً في قلوب السامعين كي تُفهم، إذا كان موقف نيجرن من المحبة Agape صحيحاً. علاوةً على ذلك فاستخدام ربنا لصيغة المتكلم لAAgapete أحبّوا) فإنه يستخدم الوصايا "القديمة" كأساس ليسبغ على العهد الجديد حدوداً داخلية من الامتداد الروحي لتلك الوصايا للمحبة. إذا كان نيجرن محقاً فالسياق القديم للمحبة كان بلا معنى وخاصةً كمؤسسة عليها يبني الرب الميزة الروحية الجديدة والوجودية للمحبة. ففكرة نيجرن هي أن "وصية المحبة" تأتي من العهد القديم وأنها "تدخل في الأناجيل ليس كشيء جديد ولكن كاستشهادات من العهد القديم". إنه على صواب وعلى خطأ في آن معاً. إنه على صواب بأن هذه الوصية هي إشارة أُخذت من العهد القديم. إلى أين يتجه ربنا في مخاطبة شعبه؟ هو على خطأ في ادعائه أنها ليست إلا استشهاد من العهد القديم تماماً لأن ربنا يتخذ مرجعا العهد القديم أساساً كي يبني عليه. لهذا السبب يجب أن يكون الأساس شيئاً وإلا فالبناء سيتصدع والتعليم سيكون غير صحيح. في الواقع أن نيجرن يدعي أن Agape لا تقدر أن تكون شاهداً لذاتها" فبهذا الإدعاء اجتز نيجرن أية إمكانية للمستمعين لبنا كي يفهموا أي حديث استعمل فيه ربنا عبارو المحبة. وبالرغم من ذلك، لقد كتب نيجرن "أنه يمكن أن نرى أن حافز Agape يشكل المغزى الرئيسي لكامل سلسلة الأمثال". ما الذي عُني بهذه الجملة هو أن تفسير نيجرن الدقيق للمحبة يشكل المغزى الرئيسي لكل سلسلة الأمثال. إذا كانت هذه هي الحالة، حينئذ الذين يسمعون الأمثال لا يستطيعون فهمها لأنهم بالتأكيد لا يستطيعون إدراك المحبة من التوضيح الذي وصفها به نيجرن. وكذلك الأمثال بحسب المنطق الفكري لموقف نيجرن، لا معنى لها بالنسبة لمعاصري ربنا ومستمعيه.

الامتلاء من محبة الله والمحبة لله هي مثال رهباني

في إنجيل متى (34:22-40) سأل ربنا أية وصية هي العظمى. "تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك (فهمك)". هذه هي الوصية الأولى والعظمى، والثانية مثلها: "تحب قريبك كنفسك". بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء". فالمثال الرهباني والنسكي هو أن يكرس محبة القلب والنفس والعقل لله. إن تعليق أندرز نيجرن على هذا النص في كتابه هو ما يتصف به موقفه العام. لقدج عرف منذ زمن طويل أن فكرة Agape المحبة تمثل ناحية بارزة وأصيلة للمسيحية. ولكن بالضبط مما تتألف الأصالة والوضوح لديها؟ هذا السؤال غلباً ما أجيب عنه بالرجوع إلى وصية المحبة، الوصية الثنائية، "تحب الرب إلهك من كل قلبك" و"تحب قريبك كنفسك" التي تأتي كنقطة انطلاق طبيعية لعرض معنى الحب المسيحي. ولكن الحقيقة هي إذا بدأنا الوصية بالمحبة كشيء مطلوب، نكون قد وضعنا سداً في طريق فهمنا لفكرة المحبة. إذا قيل أن وصية المحبة هي خاصة مسيحية، ولا شك في أنها كذلك، يجب أن يوجد السبب لا في الوصية هكذا بل في المعنى الجديد الذي أعطتها إياه المسيحية. إذاً الرجوع ببساطة إلى وصية المحبة لا يمكننا من الوصول إلى فهم الفكرة المسيحية للمحبة. أن نحاول يعني أن نتحرك في دائرة. لا نستطيع أن تكتشف طبيعة المحبة بالمعنى المسيحي. لا شيء لدينا كي يرشدنا ما عدا الوصية الثنائية ليست الوصية هي مَن يشرح فكرة المحبة ولكن البصيرة في المفهوم المسيحي للمحبة هي التي تجعلنا نفهم المعنى المسيحي للوصية. إذاً يجب أن نبحث عن نقطة انطلاق أخرى.

هذا بالفعل موقف عرضي للذي يأتي من تقليد Sola Scriptura ، لأن جوهر موقفه ليس "الكتاب وحده" وإنما بالضبط أن الكتاب بجب أن يُفسر. وهنا لا يأتي التفسير من صلب المسيحية الأولى ولكن من خارجها، من التفسير الذي يعتمد إلى حد بعيد على تفسير المسيحية التي دخلت تاريخ الفكر المسيحي منذ ألف وخمسمائة سنة بعد بداية التعليم المسيحي، وإن ذلك مع اعتبار أن نيجرن يتبع الموقف العام للوثر. ففي تحليله لبعض التفسيرات التي تؤلف فرادة المحبة المسيحية وفي رفضه لهذه التفسيرات التي تقرر فرادة المحبة المسيحية، يعتبر نيجرن جزئياً محقاً. وهذا بالحقيقة هو كذلك الخطأ المتجذر لكل التفاسير التي اعتبرناها حتى الآن إذ قد فشلت هذه التعابير في أن تدرك أن المحبة المسيحية تقع على أساس محدد وإيجابي خاص بها. ما هو هذا الأساس؟ لقد قارب نيجرن جوهر القضية ولكن أهمل الناحية المهمة التي تتعلق بكينونة الإنسان التي خلقها الله. الجواب لهذا السؤال ممكن إيجاده في النص نفسه. "أحبوا أعداءكم". صحيح أن محبة الإنسان لأعدائه تخضع لمتغيرات في المشاعر الطبيعية الحاضرة ولذلك تظهر أنها تعرض الميزة السلبية التي اقترحت قبلاً، ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار الدافع من ورائها سنرى أنها إيجابية بالكلية. لقد فُرض على المسيحي أن يحب أعداءه، ليس لأن الناحية الثانية تعلم بغضهم ولكن لأن هناك أساساً ودافعاً لمثل هذا الحب في الحقيقة الإيجابية والملموسة لمحبة الله للأشرار. "الذي يشرق شمسه على الأشرار والصالحين". لهذا قال لنا "أحبوا أعداءكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات".

فالذي يكتبه نيجرن دقيق لكنه يهمل أهمية علم الوجود الإنساني. هذا يعني أننا مطالبون أن نحب أعداءنا لأن هناك قيمة روحية في البنية العميقة لطبيعة الإنسان التي خلقها الله، حتى الطبيعة الساقطة، وإن تلك القيمة الروحية موجودة في كل إنسان، بالرغم من أن إدراكنا لها مبهم. إذا بدأنا نحب عدونا سنبدأ نرى فيه مميزات ونواحي كانت محجوبة ومظلمة بواسطة كراهيتنا العمياء, إذا طلب منا أن نحب أعداءنا ليس لأن الله يحب الجنس البشري فقط وليس فقط لأن الله "يشرق شمسه على الأشرار والصالحين"، ولكن لأت الله يحب الجنس البشري للقيمة التي فيه. لقد كتب نيجرن ان "الاقتراح الذي يقول بأن الإنسان في طبيعته يمتلك قيمة لا يمكن زحزحتها بسهولة أوجد الفكرة القائلة بأن هذه القيمة التي لا يضاهيها شيء هي التي عليها ترتكز محبة الله". ليس صحيحاً ان نصر أن نيجرن قد أضاع القضية الرئيسية التي تقول بأن القيمة في الإنسان هي التي خلقها الله وهي عطيته. بل الأصح أن نصر أن نيجرن يرفض بصورة كاملة نقطة الخلاف وهو يفعل ذلك بسبب تعليمه اللاهوتي عن الله والإنسان. هذا مجدداً هو جزء من الانقسام الكبير الذي يفصل بعض الطنائس في الحوار المسكوني. فهناك خلاف أساسي وجوهري في الرؤيا حول طبيعة الله والإنسان. هناك رأي يدّعي أن موقفه يتوافق مع المسيحية الرسولية والذخيرة الرسولية ويتوافق مع تعليم وحياة الكنيسة الأولى والكنيسة في كل العصور. وهناك رأي ثانٍ يبدأ مع الحركة الإصلاحية. كلا الرأيين يدّعيان دعم العهد الجديد.

إن كتابات لوثر عن الحب الإلهي لا تثير الاهتمام فقط لكنها قيّمة، ولا تتغلغل داخل النفس فقط ولكنها دقيقة بالتأكيد. في الواقع إذا أخذنا تعليم لوثر عن الحب الإلهي بذاته استثنينا تعاليمه الأخرى خاصةً تلك التي تتعلق بطبيعة الإنسان وطبيعة الخلاص أو طبيعة التبرير (الغفران) وعقيدة القدرية والرحمة، نجد نظرية لا تختلف عن نظرية المسيحية الأرثوذكسية القديمة. في بغض الأقوات يظهر لوثر صوفياً بعض الشيء. فوصفه للحب الإلهي كـ"eine quellonde liebe" (الحب الذي ينبع ويجري أبدياً) هو بذاته نظرة أرثوذكسية بالنسبة للوثر كما لآباء الكنيسة، فهذا الحب ليس بحاجة إلى شيء، إنه لم يُسبب، لم يأتِ رغبةً بشيء ولم تُـثره سمات شيء مرغوب. إنها طبيعة الله ولكن في الوقت نفسه إن الله هو الذي خلق الجنس البشري وهكذا أتت محبة الله للإنسان، بالرغم من أنه لا يحتاج إلى شيء ولا ينجذب إلى شيء، إنه يحب الجنس البشري ليس بسبب قيمة الإنسان ولكن قيمة الإنسان تكمن في أن الله خلقه. هنا يقع الاختلاف وفي الواقع انه لإَنقسام كبير عندما تعتبر الآراء المختلفة حول مواضيع أخرى تتعلق مباشرة بطبيعة الحب الإلهي.

الكمال، العطاء، الصلاة، الصوم والعفة

نواجه غالباً منذ المسيحية الأولى كلمة وفكرة "الكمال" في الآداب الرهبانية والنسكية. فالراهب يتوخى الكمال وهو يريد أن يصبح مترسخاً على الطريق التي تؤدي إلى الكمال. ولكن هل هذه نتيجة الرهبنة؟ هل الميول الرهبانية والنسكية في المسيحية الأولى هي التي ولّدت فكرة الكمال التي أوجدت فكرة الصراع والجهاد الروحي؟ إنه ربنا، هو الذي بثّ غاية الكمال في صميم بنية الفكر المسيحي الأول وليس الرهبان. في إنجيل القديس متى (8:5) يوصي ربنا "فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل".

لقد حوت الحياة الرهبانية والنسكية التقليدية بين أعمالها الإحسان، الصلاة والصوم. هل فرضت الرهبنة هذه الممارسات على المسيحية الحقيقية أو أنها أُدرِجَت في عداد الحياة الرهبانية والنسكية عن طريق المسيحية الأصلية؟ ففي لإنجيل القديس متى، أنه من جديد ربنا ومخلصنا هو الذي أطلق فكرة التصدق والصلاة والصوم. لقد كان بمقدور ربنا أن يبطل بسهولة هذه الممارسات. لكن بدلاً من إبطالها نقّاها وأعطاها المكانة الصحيحة داخل الحياة الروحية التي هي أن يُعمَل بها دون حب الظهور والرياء وطلب المجد. إنها لرؤية روحية جيدة التي يوصي بها ربنا. "احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم. وإلا ليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات"(1:6). "فمتى صنعت صدقة فلا تصوّت قدامك بالبوق كما يفعل الراؤون في المجامع وفي الأزقة لكي يُمجدوا من الناس. الحق لأقول لكم أنهم قد استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك. لكي تكون صدقتك في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية" (2:6-4). والصلاة قد أُمِرَ أن تُعمل في نفس الطريقة حتى تُضمن طبيعتها الروحية.

في هذه الحالة الحرجة يوصي ربنا أتباعه كي يستخدموا "الصلاة الربانية" التي هي صلاة بسيطة ولكن عميقة، صلاة تحتوي التمجيد لاسم الله، وتحوي الدعاء لملكوت الله الآتي، صلاة تقر أن مشيئة الله تبدأ كل شيء وأن الإنسان ضائع بدون مشيئة الله، إنها صلاة التواضع في أنها لا تسأل شيئاً غير القوت اليومي (الخبز الجوهري). إنها صلاة وحدة الإنسانية في المغفرة، لأنها تسأل الله أن يغفر لنا فقط كما نغفر للآخرين، وفي هذا تصوّر الحقيقة العميقة للحياة الروحية، الحياة التي بها يتحد الإنسان بالله فقط عندما يتحد الإنسان أيضاً مع الآخرين، مع الجنس البشري في المسامحة. وحينئذ توجد الصلاة كي تحمي من التجربة، وإذا وقع أحد في التجربة فالصلاة تنجيه منها. هي صلاة قصيرة جداً وبسيطة جداً ولكن عميقة جداً على الصعيدين الشخصي والكوني. هل الرهبنة تشويه للمسيحية الحقيقية لأن الرهبان يتلون الصلاة الربانية حسب توصية ربنا وأمره؟ إذا استعملت الرهبنة الصلاة الحرة والعفوية عندها كلام لعدم "اتّباعها" أمر ربنا. ولكن ليست هذه المسألة. هل الرهبنة انحراف بسبب التكرار في استخدام الصلاة الربانية؟ مجدداً، لقد قال ربنا: عندما تصلون صلوا هذه. إنها لا تحجب الصلوات الأخرى ولكن يجب أن تُعطى الأهمية والأفضلية للصلاة الربانية. في الواقع، من المؤكد أنه غريب على ربنا أن يقيّد تكرار الصلاة. "التكرار الباطل" أو أكثر دقة في اليوانانية الحظر من "لا تكرروا الكلام كالأمم، فإنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يُستجاب لهم". هذا في الجوهر يختلف عن قصد ربنا. وربنا يقول أكثر في هذا الموضوع، وذا يُعتبر ذا أهمية له. في إنجيل القديس متى (15:9) أثار نقطة أنه عندما يُرفع حينئذ يصوم تلاميذه. وفي نفس الإنجيل (21:17) أوضح ربنا لتلاميذه أنهم لا يقدرون أن يخرجوا الشيطان لأن "هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم". هذه الآية صحيحة ولمنها ليست في كل المخطوطات القديمة. ولكنها في مخطوطات قديمة بشكل كافٍ وفوق هذا كله موجودة في إنجيل القديس مرقس (29:9). إنه واضح أن ربنا يخصص فعالية روحية خالصة للصلاة والصوم.

العفة هي هدف رهباني ونسكي وليست فقط تبتل خارجي وإنما عفة الفكر الداخلية. هل هذه أيضاً فُرضَت على المسيحية الحقيقية الأصلية بواسطة طريقة التفكير الهليني؟ وهل هي موجودة ضمن الذخائر الأصلية للمسيحية الرسولية والكتابية؟ مجدداً ربنا هو الذي وضع طريق البتولية والعفة. في إنجيل القديس متى (10:19-12) سأل التلاميذ ربنا إن كان يناسب أن يتزوج المرء "ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطي لهم. لأنه يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم ويوجد خصيان خصاهم الناس. ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات. مَن استطاع أن يقب فليقبل". فالهدف الرهباني والنسكي "يتبع" فقط تعليم ربنا. المسيحية الأصلية لا تفرض البتولية. إنها بالضبط كما قال ربنا فقط لهؤلاء الذين أُعطي لهم، فقط لهؤلاء الذين يقبلون هذا الطريق الذي هو طريق المسيحية الحقيقية الروحية الذي وضعه ربنا. في المسيحية الأولى لم يُطلب حتى من الكهنة والأساقفة أن يكونوا بتولين. كان حسب الاختبار فيما بعد لقد فكرت الكنيسة أنه من الحكمة أن تشترط البتولية عند الأساقفة. ولكن في المسيحية الشرقية لم تُطلب البتولية من أحد كان ليصبح كاهناً، فإختيار الزواج أو التبتل يجب أن يكون قبل الرسامة. إذا تزوّج أحد قبل الرسامة عليه أن يبقى متزوجاً ولو أن الكنيسة القديمة شهدت استثناءات لذلك. إذا لم يتزوج الواحد قبل الرسامة عليه أن يبقى بتولاً. فالكنيسة الرومانية، ولي الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية، وسعت طلب البتولية ليشمل الكاهن وقد عانت وقتاً صعباً لتفرضه خلال العصور. لا يستطيع أحد أن يفرض أشكالاً من الروحانية على شخص ما ويتوقع نتيجة الثمر الروحي. إن كلمات ربنا تدوّي بالحكمة إلى هؤلاء الذين أُعطوا- هؤلاء الذين يقدرون أن يعيشوا في هذا الشكل من الروحانية.

الفقر والتواضع

ان الفقر لم يكن الهدف ولكن نقطة البداية في الحياة الرهبانية والنسكية في المسيحية الأولى. هل هذه السابقة التي أسسها القديس أنطونيوس، خاطرة جديدة وحركة لم توجد مثلاً في الفكر المسيحي؟ من جديد أنه ربنا الذي أسس القيمة الروحية للفقر. في انجيل القديس متى (21:19) لقد أمر الرب الرجل الغني الذي ادعى حفظ كل الوصايا :"إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك واعط الفقراء وتعال اتبعني". لم يكن القديس أنطونيوس هو الذي أسس هذه السابقة. الأحرى أنه هو الذي سمع كلمة الرب ونفذها وهو الذي "عمل كلمة الرب". انه المسيح الإله الإنسان الذي وضع مثال الكمال، الذي أمرنا أن نكون كاملين (أنظر أيضاً 48:5) الذي وضع مثال الفقر كنقطة انطلاق كشكل معين للحياة الروحية. في مكان آخر من انجيل القديس متى (44:13) لقد أوجد المسيح نقطة مشابهة فيها أصر أن نبيع كل شيء مقابل ملكوت السموات. "يشبه ملكوت السموات كنزاً مخفى في حقل وجده انسان وأخفاه ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل".

ان المسيحية بكليتها ترفع من شأن التواضع. إذاً ليس من العجب أن تركز الروحانية الرهبانية والنسكية على التواضع. ففي انجيل القديس متى (4:18) يعلن ربنا على أنه "فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم في ملكوت السموات". وفي مكان آخر (12:23) يقول "فمن يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع". فالتأكيد على التواضع شاهد لذاته. وخلفه بأية حال تكمن حقيقة طبيعة الله التي قليلون يعيرون انتباههم إليها. فالعنصران الجوهريان لأية روحانية في التجسد هما: محبة وتواضع الله. إن فكرة التواضع المتجذرة بالله ربما تثير الدهشة. فتواضع الله بالطبع لا يمكن أن ينظر إليه من نفس منظار التواضع النسكي أو أي شكل من أشكال تواضع الإنسان. مهما يكن ان أشكال التواضع عند الإنسان تأتي من ذات طبيعة الله كما أن وصية المحبة تتجذر في حب الله للجنس البشري. فإن اتضاع الله بالضبط أنه بكونه لله يرغب ويشاء أن يكون في اتحاد مع كل شيء وكل شيء هو أدنى من الله. هنا يوجد موازاة مع القديسين الذين أحبوا الحيوانات والأزهار. ومن هذه الفكرة المستمدة حقيقتها من التجسد وتنازل الله الإبن نستطيع أن نرى بوضوح حقيقة الأصل الإلهي في عمل تعليم المسيح عن الآخرين".

سيلزم مفهوم للروحانية العميقة حمل هم الآخرين وبينما يرتقي الواحد منا إلى الله. شيء يفيض بالنسبة ل؟؟؟ يجب أن يشمل البعد الروحاني الأخوة في الإنسانية. فخلال التجسد تقدست كل أشكال الوجود الإنساني. خلال التجسد صار كلا الحب وتواضع الله معروفين. وعلى الإنسان أن يحب الله وأخوته من الجنس البشري لأن المحبة تحتوي قيمة ايجابية مطلقة، قيمة مستمدة لأن المحبة هي من صلب طبيعة الله. على الإنسان أن يختبر التواضع ويصبح مشتعلاً به. بالضبط لأن التواضع ينتمي كذلك إلى الله ولهذا السبب استمدت قيمته من الله. ولكن ليس سهلاً أن تصبح مملوءاً داخلياً بالحب والتواضع لأن ذلك يتطلب ليس فقط الإقرار بالحقيقة أن الله محبة والتواضع إلهي. بالأحرى ذلك يتطلب التنقية الكاملة لطبيعتنا الداخلية بواسطة الله. وهذ هو الجهاد والصراع الروحي الذي يجب أن يزاول للدخول وللمحافظة على حقيقة الحب والتواضع. ان الطريق الرهباني والنسكي هو طريق حقيقي، طريق رسمه ربنا أيضاً.

كتابات القديس بولس

وتفسير الحركة الإصلاحية

إن الكتابات التي كَتب أو نسبت إلى القديس بولس تشكل نقطة مهمة في مجمل الإنقسام العظيم بين الكنائس الإصلاحية من جهة وكنائس الأرثوذكس والروم الكاثوليك من جهة أخرى. الرسالة إلى أهل رومية هي إحدى المراجع المهمة لهذا الخلاف. هذه الرسالة والرسالة إلى أهل غلاطية تشكلان الأساس الذي منه أنشأ لوثر عقيدته الإيمان والتبرير التي وصفها بنفسه في مقدمته لكتاباته اللاتينية كفهم جديد كلي للكتاب المقدس. وما زال هذان العملان يشكلان نقاط المراجع الأساسية للاهوتيين معاصرين ينتمون إلى التقليد الإصلاحي.

كان هذا فهماً جديداً للكتاب المقدس ذلك أنه بفضله تم الحصول على رفض الرهبنة في الإصلاح. بشكل عام ليس من المبالغة أن ندعي أن هذه الفكرة تعتبر القديس بولس الوحيد الذي فهم الرسالة المسيحية. وأكثر من ذلك ليس القديس بولس بحد ذاته ولا من خلال مجموع أعماله الكاملة فهمت الرسالة ولكن بالأحرى من خلال فهم لوثر للقديس بولس. من هذا المنظور المفسرون الحقيقيون لتعليم ربنا وعمله الفدائي هم القديس بولس الذي فهمه لوثر، ثم ماركيون ثم القديس أوغسطين وبعده لوثر. لقد دين ماركيون من قبل الكنيسة الأولى كلها. القديس أوغسطين استبق لوثر في بعض الآراء ولكن ليس حول عقيدة التبرير وفهم لوثر الخاص للوثر أنها عقيدة القديس أوغسطين حول القدرية والنعمة التي لا تقاوم وعقيدته حول كامل فساد أخلاق الإنسان التي احتوى عليه كتابه "الرواية" إقتباس القديس فانسنف لارينس عقيدة الخطيئة الأصلية هي التي أثرت في لوثر الذي نفسه كان راهباً أوغسطينياً.

ان رفض الرهبنة أتى أساسياً من التأكيد على الخلاص كونه كهبة مجانية من الله. ان هذا الموقف دقيق للغاية ولكن فهمه الخاص كان بالكامل معاكساً لمفهوم الكنيسة الأولى. ذلك أن الخلاص هو هبة من الله وأن الإنسان يبرر بالإيمان لم يكن مشكلة في المسيحية الأولى. ولكن من منظور لوثر وتأكيده أن أي نوع من الأعمال وخاصة تلك التي يقوم بها الرهبان في جهادهم النسكي هي تعتبر معاكسة لطبيعة النعمة المجانية ولعطية الخلاص المجانية. إذا كان المرء يبرر بالإيمان حينئذ كما ذهب خط الفكر اللوثري الإنسان لا يبرر "بالأعمال" لأنه بالنسبة للوثر "التبرير بواسطة الإيمان" يعني تبريراً خارجياً تبريراً مستقلاً كلياً عن أي تغيير داخلي في أعماق الحياة الروحية للشخص. فبالنسبة للوثر "أن يتبرر" –dikaion- تعني أن يعلن المرء البر والعدل "وليس أن يعمل" البر والعدل. انها مناشدة للعدالة الخارجية التي في الحقيقة هي رواية روحية خيالية. لقد خلق لوثر الإلتزام الحرفي بالنص أكثر جدية بكثير من الإلتزام الحرفي الذي تبينه في الفكر الكاثوليكي وممارسته في عصره. فوق ذلك أن عقيدة لوثر الملتزمة في التبرير الخارجي هي جدية روحياً لأنها هي بمثابة بيان قانوني لا يوجد في الواقع ولا يمكن أن يوجد. لقد فكر لوثر أنه لا يوجد أي مكان ليشدو فيه هكذا بقوة على الأعمال كما في الرهبنة. ولهذا السبب كان يجب أن ترفض الرهبنة ومرفوضة كانت. لكن لوثر استخلص أكثر مما يجب من تأكيد القديس بولس على الإيمان، على التبرير بالإيمان والعطية المجانية لنعمة الخلاص. القديس بولس في رسالته إلى أهل رومية.

إنها أعمال "الناموس" الناموس كما وصفته وفسرته اليهودية وعملت به منذ زمن القديس بولس. فلربنا ردة الفعل نفسها اتجاهالفهم الخارجي والآلي "للناموس". الواقع أن نص الرسالة إلى أهل رومية بالذات يظهر في كل صفحة أن القديس بولس يقارن الناموس الخارجي لليهودية مع الفهم الروحي المتجدد للناموس ولإعلان الله في يسوع المسيح من خلال تجسد وموت وقيامة ربنا. لقد صار الله إنساناً. لقد دخل الله التاريخ البشري. وبالفعل أصبح التجدد جذرياً. وأي سوء فهم لنقد القديس بولس حول "الأعمال" والإعتقاد أن القديس بولس يتكلم عن "الأعمال" التي أوصى بها ربنا بغير المفهوم اليهودي لأعمال "الناموس" فإن ذلك يعتبر قراءة خاطئة لطبيعة أصيلة أنه صحيح من ناحية ثانية أن لوثر قد أصاب في اعتباره الإتجاه الخاص الذي سار عليه نظام الفضائل في الكنائس الكاثوليكية كمرجع مشابه لنظام الشرعي اليهودي. وكنتيجة لخلفيته ونتيجة لبنيته اللاهوتية فمتى قرأ لوثر أي شيء للقديس بولس عن "الأعمال" كان يفكر حالاً بخبرته الشخصية كراهب وبنظام الفضائل والمسامحة التي نشأ عليها.

ما يجب تأكيده بشدة هو أن لوثر بالواقع يحمي ناحية واحدة من الخلاص الذي هو السبب الفعلي ومصدر الفداء والنعمة. ولكنه يهمل ناحية أخرى وهي مشاركة الإنسان في العطية المجانية للمبادرة الإلهية والنعمة. ان لوثر يخاف انتهاض جديد لنظام الفضائل والغفران في الكنيسة الكاثوليكية، انه يخاف أي نزعة التي ستؤلف موقفاً بيلاجوسياً حقيقياً وأي نزعة التي تسمح لإنسان أن يؤمن أن الإنسان هو السبب وهو المصدر أو النبع الأساسي للخلاص. وهنا لوثر على حق. إن تمييز نيجرن (Esos-Agape هو صحيح في هذا السياق لأن أي روحانية تحذف Agape وتركز فقط على Esos وعلى جهاد الإنسان كي يربح سلطة الله التي تعتبر أصلاً غير مسيحية. ولكن المسألة ليست بهذه البساطة. كلا الطرفين على خطأ. لقد أراد الله بحرية طريق فداء متدائب الذي يجب أن يشترك فيه الإنسان روحياً. الله هو الممثل، السبب المبدأ والذي يكمل كل نشاط خلاصي لكن الإنسان هو الذي يجب أن يستجيب روحياً لعطية النعمة المجانية. وفي هذه الإستجابة يوجد مكان حقيقي للروح الرهبانية والنسكية التي لا شأن لها ب "أعمال الناموس" أو بنظام الجدران والغفران.

الرسالة إلى أهل رومية

في رسالته إلى أهل رومية يكتب القديس بولس في أول المقدمة (1: 4-5) أنه من خلال يسوع المسيح "قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان لأجل اسمه"، ان فكرة "إطاعة الإيمان" لها معنى عند القديس بولس أنها أكثر من إقرار بسيط أو معرفة بالإيمان الموضوع داخلنا بواسطة الله. بل انها فكرة غنية روحياً وهي تتضمن روحية كاملة لنشاط الإنسان ولا نعني أن العمل يربح نعمة الله ولكن بالضبط أن النشاط الروحي هو استجابة لنعمة الله وينجز بنعمة الله من أجل أن يمتلىء من نعمة الله وسيكون عملاً روحياً متواصلاً لا يمكن أن يصاب بالقصور وغريباً بالكلية عن "أعمال" الناموس اليهودي.

يكتب القديس بولس بأن الله (6:2) "سيجازي كل واحد حسب أعماله". لو كان القديس بولس مهتماً كثيراً بكلمة "أعمال" ولو كان يخاف أن القراء المسيحيين لرسالته يمكن أن يفسروا "أعمال" بطريقة مختلفة كلياً عما كان يقصده، كان بالتأكيد أكثر حذراً. ولكن القديس بولس ميّز بين "أعمال" الناموس اليهودي و "أعمال" الروح القدس المطلوبة من جميع المسيحيين. لذلك أنه من الصعوبة أن يخلط بين هذين المنظورين. ومن الأهمية أن الكنيسة الأولى لم تخلط بينهما لأنها فهمت ما كتبه القديس بولس. فإن وجد شيء ما بالرغم من وضوح فكر القديس بولس تظهر ميول من وقت لآخر حتى لا تقع في تفاسير لوثر ذات الجهة الواحدة تقع تقريباً بطريقة ما عفوية في جهاد من نوع نموذج Esos.

انه "الذين يعملون بالناموس هم يبررون" (13:12). إن فكرة "الذين يعملون" تعني فعل عمل. في مكان آخر من الرسالة نفسها (12:5) يكتب القديس بولس أنه من خلال ربنا يسوع المسيح "صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون"، ان فكرة "الدخول إلى هذه النعمة" هي دينميكية. وتعني النشاط الروحي من ناحية الجنس البشري.

بعد الإعلان الطويل لنعمة الله, وعجز "أعمال الناموس" مقارنة "بأعمال" الحقيقة الجديدة للروح, يلجأ القديس بولس إلى الوعظ التقليدي الروحي (12:6) "لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته ولا تقدموا أعضاءكم آلات اثم للخطية". التحريض يعتبر أن للإنسان نوعاً من النشاط الروحي وسيطرة على وجوده الداخلي. ان استعمال كلمة "آلة" يدعوا إلى فكرة المعركة ذات الصراع الروحي التي هي الطبيعة الفعلية "التجربة القاسية" للرهبنة. وفي نفس الفصل (17:6) يكتب القديس بولس:"فشكراً لله إنكم كنتم عبيداً للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها". ففي الفصل الثاني من الرسالة الى أهل رومية (15:2) يكتب القديس بولس عن الناحية الكونية "للناموس" الذي هو مكتوب في "قلوب" الجنس البشري, هذه الفكرة لها مفاهيم لاهوتية عميقة. ففي استعماله لصورة القلب يشدد القديس بولس على الناحية العميقة للحياة الداخلية للجنس البشري, لهذا كان استعمال صورة "القلب" عند العبرانيين. عندما يكتب انهم "أطاعوا من القلب" ينسب القديس بولس بعض العمل الروحي "للطاعة" التي تنبع من "القلب". وإلى ماذا أصبحوا طائعين؟ الى شكل أو معيار معين للتعليم وللعقيدة التي تسلموها هذا بالضبط يشكل الذخيرة الرسولية وصلب التعليم المسيحي الأول الذي استجابوا له وأطاعوه. وبفعلهم هذا صاروا "عبيداً للبر", البر الذي في الناموس الجديد ومن حياة الروح القدس (18:6) أما ثمر "العبودية لله" فهو بالضبط القداسة التي تؤدي إلى الحياة الأبدية (22:6). من البداية حتى النهاية يوجد عملية, في كل برهة هناك عمل روحي نشيط من جهة الإنسان. فالقديس بولس أصبح أكثر وضوحاً في شأن الفرق بين الناموس القديم والناموس الجديد (6:7) :"وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذا مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف".

يكتب القديس بولس بأننا "أولاد الله. فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً ورثة الله ووارثون مع المسيح". (17:8). ولكن كل هذا له حالة له شرط لأن هناك كل الأهمية ل"إذا حقاً". اذا كنا نتألم معه لكي نتمجد معه. ان تمجيدنا بحسب القديس بولس متوقف على عظمة "إذا" وإن "إذا" تقودنا إلى الحقيقة الروحية, الحقيقة الروحية لكلمة المشاركة في الآلام ان مجرد استخدام كلمة "نتألم معه" تستلزم حقيقة فكرة المشاركة في الآلام وكلاهما تستلزمان عملاً روحياً فاعلاً أو نشاطاً من جانب الذي يشترك في الآلام وإلا ليس هناك معنى لكلمة "مشاركة".

في الرسالة إلى أهل رومية (1:12) يستخدم القديس بولس لغة يمكن أن تكون بلا معنى لو أن الإنسان مجرد عضو غير فاعل في عملية الفداء لو أن البر بالإيمان عملاً يحصل فقط على المستوى الإلهي. "فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية". يطلب القديس بولس من المسيحيين أن يقدموا الحقيقة التي تفرض مسبقاً وتطلب النشاط الإنساني. ليس فقط "أن يقدموا" ولكن أن يقدموا الجسد كذبيحة حية مقدسة ومقبولة أو مرضية لله. وهذه اعتبرها القديس بولس "عبادتنا الناطقة" أو "عبادتنا الروحية". ان اللغة والفكرة تتكلم عن ذاتها. يستخدم القديس بولس صيغة الأمر ويأمرنا "لا تشاكلوا هذا الدهر بل غيروا شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله" فإذا أخذنا هذه اللغة بذاتها من دون سياقها سوف يساء تفسيرها وتبدو كالبيلاجية لأنه هنا يغير الإنسان الذهن, والإنسان هو الذي ]ؤمر بأن ينشّط الحياة الروحية. فهكذا تفسير بالطبع ليس صحيحاً ولكنه يبين ما يستطيع الواحد أن يفعل لكل فكر القديس بولس اللاهوتي إذا لم يفهم هذا التوازن وإذا لم يفهم أن نظرة القديس بولس هي بالعمق تدائبية.

فالتدائبية لا تعني أن القوتين متساويتان بل تعني أن هناك إرادتين. واحدة هي إرادة الله التي تتقدم ترافق وتكمل كل ما هو جيد وإجابي, روحي وفدائي والتي شاءت أن يكون للإنسان إرادة روحية وإشتراك روحي في عملية الفداء. واحدة أخرى هي إرادة الإنسان التي يجب أن تستجيب تشارك "تشترك في الألم". في (9:12) القديس بولس يحثنا على "الإلتصاق بالخير" وفي (12:12) يحرضنا على "أن نكون مواظبين على الصلوة". هكذا موقف لا بستثني بالتأكيد الروحانية الرهبانية والنسكية ولكن بالأحرى يقتضيها ضمناً.

كورنثوس الأولى والثانية

البتولية هي جزء من الحياة الرهبانية وهي أيضاً لها مصدرها في تعاليم العهد الجديد. ففي 1 كورنثوس 7: 1-11. يشجع القديس بولس على الزواج والبتولية. كلاهما يشكلان صوراً من الروحانية المسيحية, القديس بولس لديه الكثير من الكلام عن الزواج في رسائله الأخرى لكنه يرى أن البتولية هي شكل من الروحانية للبعض لا يستطاع أن تستثنى من أشكال الروحانية في الكنيسةز ففي الآية لا يكتب أنه يجب أن يكون الجميع كما هو. ولكنه استدرك أن لكل شخص موهبته من الله. "ولكن أقول لغير المتزوجين وللأرمل أنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا ولكن إن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا". (آيات 38:37) لقد لخص القديس بولس:"من عزم في قلبه أن يحفظ عذراءه فحسناً يفعل. إذا من زوّج فحسناً يفعل ومن لا يزوّج يفعل أحسن". إن الممارسة الرهبانية للبتولية لم تستثنى تماماً في العهد الجديد. بل قد شجع بالأحرى عليها من قبل كلا الرب والقديس بولس ومن غير أن يعرض الزواج للخطر ولا يمكن أن يفرض القرار والأفضل أن يأتي من القلب, بالواقع أنها ليست لكل واحد.

فعلى امتداد العهد الجديد تقارن الحياة الروحية بالسباق والحرب دون أن يقلل من أساس رؤيته اللاهوتية بأن الله هو بداءة كل شيء يكتب القديس بولس في 1 كورنثوس 9: 27:24 بطريقة إذا أخذت بمفردها تبدو كأنها طريقة بيلاجيوس وتظهر في الواقع كأن كل أساس الخلاص يعتمد على الإنسان. ولكن إذا اعتبرت طريقته من ضمن السياق اللاهوتي الكلي لا نجد أي تناقض لأنه هناك دائماً إرادتان للخلاص الإرادة الإلهية التي تبدأ والإرادة البشرية التي إذا تستجيب تتقبل هذه الإرادة. "لستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون ولكن واحد يأخذ ؟؟؟. هكذا اركضوا لكي تنالوا وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء. أما أولئك فلكي يأخذوا اكليلاً يفنى وأما نحن فإكليلاً لا يفنى. إذاً أنا أركض هكذا كأنه ليس عن غير يقين. هكذا أضارب كأني لا أضرب الهواء. بل أقمع جسدي وأستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً". في هذا النص نواجه السباق السباق الروحي والجائزة, نواجه في الجملة التالية تركيب المبنى والمعنى "لكي تنالوا" تركيباً بدل ضمناً على احتمال وليس على تأكيد. نواجه السباق كصراع روحي الذي يمارس فيه "ضبط النفس في كل شيء" وبعد ذلك يصف القديس بولس معركته الروحية. انه يعامل جسده بعنف ويقوده كالعبد ولكن إلى أية نهاية؟ حتى لا يُرفض. ان المقطع بكامله رهباني ونسكي في محتواه.

بالرغم من تؤكد القديس بولس من هدف حقيقة الخلاص الذي حصل من خلال المسيح كعطية إلهية, لم يعتبر أن مصيره الروحي مشتمل في هدف الخلاص الذي هو الآن هنا إلا إذا اشترك فيه وحتى نهاية السباق. ففي 12:10 يحذرنا:"إذاً من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط". ففي 28:11 يكتب "ولكن ليمتحن الإنسان نفسه" في سياق الكلام الأخير "أن يبرهن" أو "يمتحن" جاءت هذه الجمل من سياق أكثر جدية لأنها تقال مرتبطة بسر الشكر المقدس الذي تكلم عنه بشكل موضوعي بأن إذا أحدهم "أكل الخبز" أو "شرب كأس الرب" "بدون استحقاق" ذلك الشخص "يكون مجرماً في جسد الرب ودمه" وهذ ا "يجلب دينونة لنفسه" لهذ السبب يكمل القديس بولس البعض ضعفاء ومرض البعض الآخر يرقدون. ولكن تركيزنا هنا هو على امتحان الذات, على هؤلاء الذين يظنون أنهم قائمون. مرة أخرى هذا يشكل ناحية متكاملة من الحياة الرهبانية والنسكية, بمعنى أن يمتحن الإنسان حياته الروحية بشكل دائم. في 2 كورنثوس 5:13 يشدد القديس بولس على امتحان الذات :"جربوا أنفسكم هل أنتم في الإيمان. امتحنوا أنفسكم".

في 15: 1-2 يقدم القديس بولس ال"إذا" و "أيضاً" ذا أهمية. "وأعرفكم أيها الإخوة بالإنجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه وبه أيضاً تخلصون وإن كنتم تذكرون أي بشرتك به".

في 1 كورنثوس 15:14 تكلم القديس بولس عن الصلاة بالروح والذهن, هذه الفكرة ترسم طريقها من خلال الأدب الرهباني والنسكي إذ ان استخدام الذهن في الصلاة يجد تعبيره الكامل في الإستخدام المتناقض لكلمة "ذهن" في فكر افغاريوس بونتيكوس. في النص حتى في السياق العام للفصل هو واضح. "أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضاً. أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضاً".

ان تسبيحة القديس بولس للمحبة ل Agape شملت 1 كورنثوس 13 بالكامل. فبالرغم من وجود تفسيرات لاحقة لإستعمال كلمة "ايمان" في هذا الفصل وبالتحديد التفسيرات التي دخلت الفكر المسيحي مع حركة الإصلاح, لا يوجد سوء فهم لتسبيحة المحبة. لقد فهمت حقيقتها في الكنيسة الأولى وفي الفكر المسيحي حتى زمن الإصلاح. حتى أنه فقط من خلال منهاج تفسيري معقد فرض بواسطة مفهوم لاهوتي محدد وجديد على أن هذه "تسبيحة المحبة" العظيمة يجب أن تفهم عن طريق التمييز بين مختلف المعاني التي تلصق بكلمة "ايمان" إن كان أحد يتكلم بألسنة الناس والملائكة وإن كان له نبوة ويعلم جميع الأسرار وكل علم وإن كان له كل الإيمان حتى "ينقل الجبال" وإن أطعم كل أمواله وإن سلم جسده حتى احترق ان كان له كل هذا وليس له محبة فليس "شيئاً" فقد صار نحاساً يطن أو صنجاً يرن. فلا ينتفع شيئاً. لقد وضح القديس بولس ما هي المحبة. "المحبة تتألم طويلاً المحبة تتأنى وترفق, المحبة لا تحسد المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق وتحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وتصبر على كل شيء. المحبة لا تسقط أبداً. وأما النبؤات فستبطل والألسنة فستنتهي والعلم فسيبطل أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة, هذه الثلثة. ولكن أعظمهن المحبة". إن هدف الجهاد الرهباني والنسكي للتجربة هو المحبة أن يحبوا الله والجنس البشري وكل الأشياء المخلوقة, أن يتغلغل حب الله فيهم أن يشتركوا في المحبة التي هي الله وتفيض من الله وتتحد مع الله بالحب. في الغالب أن الأدب الرهباني يتكلم عن "إحراز" هذا الحب كأنه عمل الإنسان. ولكن هذا ليس المضمون الكلي للحب في الأدب الرهباني. وحتى ليس في هذه النصوص التي تُظهر كأن لا وجود لشيء إلا لجهاد الإنسان من خلال "التجربة". هذه اللغة قيلت لأنها عفوية ذات طبيعة روحية.

هذه اللغة قيلت لأنها متوازية مع تلك المعرفة التي تحسب أن الله هو مصدر كل سيء. مع ذلك فالقديس بولس نفسه يستعمل لغة تأتي مباشرة من صيغ رهبانية. في الحقيقة يمكن أن تؤخذ كلا اللغتان من السياق الكامل ولكن الصحيح أيضاً أن كلا اللغتين محكيتان اللغة التي تشير إلى الله كمصدر وكمطلق لنعمة الله وللعطية الروحانية بكليتها، واللغة التي تركز على عمل الإنسان وعلى استجابة الرب للحب ولعمل الله الخلاصي في يسوح المسيح ومن خلال الروح القدس. عندما يستعمل خط واحد من الفكر هذا لا ينكر مطلقاً استخدام خط آخر من هذا الفكر. بل لنكن أكثر دقة، بالعكس لأن الأدب الرهباني والنسكي يستطيع أن يتكلم فقط عن عمل الإنسان إذا استلزم بأن الله تمم عمل الخلاص في ومن خلال ربنا. وذلك أن الله يعمل في الإنسان من خلال الروح القدس وإلا كل ما هو مكتوب هو بلا معنى مؤقت ومطلق. إن وصية القديس بولس في 1 كورنثوس 14: 1 "اتبعوا المحبة ولكن جدوا للمواهب الروحية" تستجيب لها مباشرة الروحانية والنسكية.

في 2 كورنثوس 2: 9 يكتب القديس بولس في نفس الروح تماماً كالتي يستعملها رئيس الدير مع مبتدئية "لأني لهذا كتبت لكي أعرف تزكيتكم هل أنتم طائعون في كل شيء". إن الطاعة موضوع مهم وحقيقة مهمة في "التجربة" الرهبانية والنسكية وان موضوع الطاعة بالذات قد ذكر غالباً خلال العهد الجديد.

فالأدب الرهباني والنسكي غالباً ما يستعمل عبارتي "رائحة" و "رائحة ذكية" ومن جديد المصدر هو العهد الجديد. في 2 كورنثوس 2: 14-15 يكتب القديس بولس "ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان. لأننا رائحة المسيح الذكية لله في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون. لهؤلاء رائحة موت لموت ولأولئك رائحة حيوة لحيوة.

في 2 كورنثوس 3: 18 يستخدم القديس بولس تعبيراً نجده غالباً في الأدب النسكي _ "من مجد إلى مجد" "ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح". إن التركيب الفعلي في اليونانية لا يمكن أن يشدد بشكل كاف في كامل العهد الجديد لأنه يحمل نشاطاً دينماكياً قلما نجده في النشاط الأخرى وفي الترجمات. ففي هذا النص يوجد تشديد على عملية "كوننا نغير" وفي مكان آخر التشديد غالباً هو علو "كوننا نخلص" أكثر منه على "نغير" و "نخلص". فعندما تكون الطبيعة الموضوعية للخلاص هي المركز حينئذ يستخدم التركيب الفعلي في اليونانية "نخلص". ولكن بشكل رئيسي عندما تكون العملية هي المركز فالدينماكيةيعبر عنها عن طريق التركيب الفعلي "كوننا نخلص". انه لمهم في هذا النص أن يعبر عن الطبيعة الموضوعية بهذا التعبير "نكشف" بينما العملية المستمرة لإشتراكنا في عملية الخلاص الروحية يعبر عنها بواسطة "كوننا نغير" وهنا يعبر عن الدينماكية للتآزر في الإرادة.

في 2 كورنثوس 16:4 يشدد القديس بولس من جديد على دينماكية وعملية الحقيقة الروحية في الإنسان "فالداخل يتجدد يوماً فيوماً". فالحياة النسكية تحاول أن تستجيب لهكذا نص بواسطة النظام اليومي للصلاة والتأمل وفحص الذات والعبادة بالضبط كي نحاول أن "نجدد" يومياً حياتنا الروحية "الداخلية". في 15:10 يُشدد على الناحية الدينماكية للنمو وتماماً حسب "الإيمان" و "القانون". "إذا نما إيمانكم أن نتعظم بينكم حسب قانوننا". في 12:4 يضع القديس بولس العمق الداخلي للحياة الروحية للإنسان في القلب مجدداً الأمر الذي تنميه الرهبنة الشرقية حتى في حياتها الصلاتية.

ان الفصل الخامس في 2 كورنثوس استثنائياً هو نص مهم. هنا كما في مكان آخر يستعمل القديس بولس لغة إذا استعملت من قبل الآخرين تزعج على نحو موجع العديد من العلماء الذين يعملون من خلال المنظور الإصلاحي انه يستعمل فكرة "ارضاء" الله الأمر الذي يجده بعض العلماء دلالة على توسل الإنسان حتى يربح رضا الله. ولكن عندما يستعمل هكذا لغة تمر بهدوء من غير اعتراض بالضبط لأن القديس بولس وطد موقفه على أن الله هو مصدر كل شيء. ولكن الأدب الرهباني والنسكي يفترض مسبقاً أن الله هو البداءة ومصدر كل شيء كذلك. ولكن طبيعة الحياة الروحية اليومية للروحانية الرهبانية والنسكية تركز في الصميم على عمل الإنسان. انها بالضبط مركز وليس موقف لاهوتي. "لذلك نحترص أيضاً مستوطنين كنا أو متغربين أن نكون مرضيين عنده. لأنه لا بد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً. فإذ نحن عالمون مخافة الرب نقنع الناس". في 2 كورنثوس 15:11 يكتب القديس بولس ان "نهاية الشخص تكون حسب أعماله". كذلك لم تكن المرة الأولى التي فيها يستعمل العهد الجديد كلمة "ممارسة" التي أصبحت منظمة في الرهبنة بعد شرح عميق لمبادرة الله في العمل الخلاصي في المسيح (5: 14-20) التي فيها يكتب القديس بولس "الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح". يكتب القديس بولس في آية 21:"تصالحوا مع الله". أكثر من ذلك فهو لم يستعمل فقط صيغة الأمر ولكن أيضاً تقدم عليها ب "نطلب عن المسيح". هنا تصبح لغته بلا معنى إلا إذا كان هناك عمل روحي من جهة الإنسان. وأكثر من ذلك يستخدم القديس بولس صيغة مهمة لها علاقة بتعبير "بر الله" لأنه يكتب بأن العمل الخلاصي في المسيح تمم. "لنصير نحن بر الله فيه". هنا الأهمية في أن "لنصير" بدلا من "نحن نكون" أو "نحن صرنا". ضمناً هذا يعني الدينماكية المتآزرة وهذا ما شدد أكثر عليه في 1:6 "فإذا نحن عاملون معه نطلب أن لا تقبلوا نعمة الله باطلاً". والقديس بولس يستشهد من أشعيا 8:49 التي فيها قيل ان الله "يسمع" و "يعين".

في 2 كورنثوس 6: 4-10 يكتب القديس بولس عما يمكن أن يرشدنا للحياة الروحية الرهبانية. "في كل شيء نظهر أنفسنا كخدام الله في صبر كثير في شدائد في ضرورات في ضيقات في ضربات في سجون في اضطرابات في أتعاب في أسهار في أصولم في طهارة في علم في آنات في لطف في الروح القدس في محبة بلا رياء في كلام الحق في قوة الله بسلاح البر لليمين ولليسار بمجد وهوان بصيت رديء وصيت حسن كمائتين وها نحن نحيا كحزانى ونحن دائماً فرحون كفقراء ونحن نغني كثيرين. كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء.

الأسهار والأصوام والعلم هذه تنعكس في الحياة الرهبانية والنسكية. وأكثر من ذلك يستعمل القديس بولس صورة الحرب ويشير إلى "سلاح البر". ان اللغة التي يستعملها القديس بولس في هذا المقطع لها أهميتها فقط إذا اشترك الإنسان بتداؤب في عملية الخلاص. إذا كانت عقيدة "البر" في فكر القديس بولس ذات معنى واحد أي "بر الله" الذي هو بالطبع مصدر كل بر فلماذا الكلام إذاً عن "سلاح البر" الموضوع بين يدي الإنسان، يميناً ويساراً؟ إذا الإنسان فقط "اعتبر باراً" بواسطة "فدية" ربنا يسوع المسيح له لماذا اذا الكلام عن "سلاح البر" إلا إذا كان هناك ناحية ثانية في عملية الخلاص التي وجودياً تشمل الإشتراك الروحي للإنسان.

في 2 كورنثوس 10: 3-6 يتابع القديس بولس مع الإشارة إليها بكلمة "الحرب" ومن جديد يشدد على "الطاعة". لأننا وإن كنا نسلك في الجسد لسنا حسب الجسد نحارب. إن أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة بالله على هدم حصون. هادمين ظنوناً وكل علو يرتفع ضد معرفة الله ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح".

يكتب القديس بولس في 2 كورنثوس 7: 1 عن الطهارة وتكملة القداسة "وخوف الله". بعد الإشارة لحصولنا على "هذه المواعيد" يحرضنا "لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله". هذا التحريض هو بالضبط ما قامت به الحياة الرهبانية والنسكية. في 9:13 يكتب القديس بولس "نصلي من أجل أبنائكم". حتى يتم "اصلاح" الشخص يجب أن يكون مسبقاً على مستوى معين، النص يحمل شهادة على طبيعة الإيمان النشيطة والحياة الروحية في المسيح والقيامة والسقوط وثم إعادة البناء.

في 2 كورنثوس 10:7 يتكلم القديس بولس في تعابير تشبه تلك التي توجد في الأدب الرهباني والنسكي لأنه يتكلم عن "الحزن" الذي ينشىء "التوبة" التي تقود إلى "الخلاص" :"لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشىء توبة لخلاص بلا ندامة". يقابل القديس بولس بين "الحزن بحسب مشيئة الله" "وحزن العالم الذي ينشىء موتاً". فموضوع "الآلام" "والحزن" بسبب الخطيئة وأكثر دقة "الحزن بحسب مشيئة الله". هو ثابت في الحياة الروحية الرهبانية.

ينهي القديس بولس النص 2 كورنثوس بتحريض أخير "أبنوا بعضكم اهتموا اهتماماً واحداً عيشوا بالسلام وإله المحبة والسلام سيكون معكم". الإصرار هنا على "البناء" من جديد. فتواتر لغة القديس بولس إذا أخذت بذاتها وخارج المضمون لسيء تفسيرها بسهولة وفهمت على أن الإنسان هو الذي يسبب عمل الله، لأنه يكتب "عيشوا بالسلام و" انه بالضبط تلك "و" التي تقدم عمل الله. الله "يكون معكم:. إذا وصلت إلى السلام هكذا يجب أن يفسر هذا النص إذا لم نملك كل أعمال القديس بولس. فالذي كان يمكن أن يحصل لفكر القديس بولس هو بالذات الذي يحصل عادة للفكر في الأدب الرهباني والنسكي.

الرسالة إلى أهل غلاطية

بالإضافة إلى الرسالة إلى أهل رومية، ان رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية تشكل عملاً آخراً من مجموعة القديس بولس التي غالباً ما استشهد بها لاهوتيو اللوثريين والكالفينيين الإصلاحيين وهؤلاء اللاهوتيون الذين اتبعوا هذه التقاليد اللاهوتية. كذلك كثيراً ما استشهد بهاتين الرسالتين القديس أوغسطين ليدعم عقيدته في النعمة غير المقاومة والقدرية. ولكن نصادف المشكلة ذاتها في غلاطية ذلك أن هناك خطاً فكرياً ثانياً الذي يمكن أن يفسر بذاته في الإتجاه البلاجيوسي. ما يوجد توضيحه، ان كلا النظريتين تأخذان منحى واحد وان فكر القديس بولس هو أغنى بكثير مما يسمع به أي تفسير من زاوية، لأنه أكثر واقعية مع مجد الله ومع مأساة خبرة الإنسان في الشر والفساد والموت. ولكن القديس بولس ليس فقط أشاد بذكر مجد الله وقدرته وبراءة النعمة ولكن كذلك الإبتهاج بالخلاص الفعلي الذي فيه يجب أن يشترك كل شخص حتى يُكمل خلاص الإنسان.

في الفصل الأول من غلاطية يستعمل القديس بولس في آية 10 اللغة التي تتضمن معنى التفتيش عن كسب إرضاء الله. "أفأستعطف الآن الناس أم الله؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟". في بعض الجوانب في غلاطية 9:4 يوقع القديس بولس نفسه باستعماله اللغة الحقيقية للبشر:"وأما الآن فقد عرفتم الله بل بالحري عُرفتم من الله". فعدم الدقة في اللغة يحصل حتى مع القديس بولس.

إن الإصحاح الثاني من غلاطية يسلط الضوء على موضوع الخلاف الأساسي في لاهوت القديس بولس. في السياق العام يخاطب القديس بولس رياء القديس بطرس في انطاكية، لأن القديس بطرس أكل مع الأمم إلى أن وصل قوم من جماعة "الختان" من أورشليم. في ذلك الوقت انسحب القديس بطرس من احتفال الأمم "خائفاً من الذين من الختان". لقد انتهر القديس بولس القديس بطرس وجهاً لوجه. من جديد ان الخلاف كله هو بين "أعمال الناموس" و "أعمال الروح"، بين الناموس اليهودي وناموس المسيح الروحي كونه النتيجة المباشرة لعمله الخلاصي المقدس. لهذا في هذا السياق يضع القديس بولس عقيدة التبرير على بساط البحث. يكتب القديس بولس في الآية 16 "إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح. آمنا نحن أيضاً بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس. لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما". ففي التأديل اليوناني الذي استعمله القديس بولس نجد الدينماكية مستمرة، "لنتبرر" و "بالإيمان". هذا التعبير الأخير فيه دلالة على مدى وسع الحياة الروحية التي تؤكد من الإيمان. إنه تعبير غني يجب أن لا تنتقص التفسيرات المجتزأة في دينماكيته وميزاته. وحتى استخدام التعبير "حتى" له مفاهيم لاهوتية، كما للصيغة التالية "كي نبرر". لقد كان بمقدور القديس بولس أن يكتب آمنا ومن ثم تبررنا.

ولكن ليس هذا ما كتبه. الحقيقة الموضوعية للخلاص والحقيقة الموضوعية للجنس البشري كونها مبررة بالمسيح، هي شيء واحد والحقيقة الذاتية لكل شخص يشارك في عمل التبرير الخلاصي المتمم هذا، كونه صادقاً مع الله، هو بُعد آخر يتطلب ويخاطب كامل التركيب الروحي للإنسان. ففي النص التالي يكتب القديس بولس "طالبون أن نتبرر في المسيح". وفي 5:5 يستطيع أن يكتب "فإننا بالروح من الإيمان نتوقع رجاء بر". ما هو المعنى الحقيقي الوجودي ل "رجاء البر". إذا "بر" "عزا" إلينا كما لو أنه إجراء قانوني وإذا كان "بر الله المنفصل" هو الذي "يبررنا"؟ كلا، ان رؤية القديس بولس هي أكثر عمقاً، "فرجاء البر" هو بالضبط رجاءنا كي نشترك في "بر الله" الموضوعي الذي أعطاه الله مجاناً في ومن خلال المسيح. ولكننا "نأمل" لأن هناك "عمل" لنا يجب أن نعمل حتى نتمسك ونشترك بالبر أبداً. الله يخلق في حريته. الله خلق الإنسان في صورة الحرية هذه. لقد قبل المسيح الصليب بملء حريته. الحرية هي أساس الخلق والخلاص. وحرية الإنسان مهما ضعفت ما زال بمقدورها أن تستوحى بواسطة العطية المجانية من النعمة. وفي هذه الحرية يجب على الإنسان كما كتب القديس بولس في رسالته إلى أهل فيليبي 12:2، "تمموا خلاصكم بخوف ورعدة". انه لا ينكر الروحانية الرهبانية والنسكية قد أخذت هذه بجدية.

في غلاطية 1:5 يكتب القديس بولس:"أثبتوا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها". ان كامل الأهمية اللاهوتية لكل الذي حصل في مجيء المسيح، في تجسد الإله الإنسان في حياته وتعاليمه وموته وقيامته، تأسيسه للكنيسة والحياة الأسرارية الروحية في الكنيسة، صعوده وارساله الروح القدس والمجيء الثاني والدينونة. كل هذا بدّل جذرياً ناموس الأعمال القديم والمعنى أصبح واضحاً للكنيسة الأولى. انه لصحيح ما قاله القديس بولس بأن "ناموس الأعمال" يمكن أن يطبق على أي شكل من المسيحية التي تحيد عن ضبط الميزان والتي تحيد عن "أعمال الروح" الحقيقية مبدلاً إياها بموقف ميكانيكي وآلي. وفي غلاطية 27:3 يربط القديس بولس حالاً "التبرر بالإيمان" مع سر المعمودية المقدس. "لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" في هذا المضمون ما هو الفرق بين "التبرير بالإيمان" و "الإيمان" وأن تكونوا "اعتمدتم بالمسيح" ومن ثم أن "تلبسوا المسيح"؟

يخاطب القديس بولس المسيحيين الذين اعتمدوا وقبلوا الإيمان. بالرغم من لغته عن "التبرير بالإيمان" و "لبس المسيح" في المعمودية والناحية الموضوعية للخلاص التي تمت، ما زال القديس بولس يقدر أن يكتب في غلاطية 19:4 انه "يتمخض بهم إلى أن يتصور المسيح فيهم". ماذا يعني هذا الكلام ما عدا أن عملية الخلاص للإنسان هي عملية جهاد وقيام وسقوط ونشاط روحي مستمر؟ في 7:5 يكتب أنهم كانوا "يسعون حسناً" ويسأل "من صدكم؟" مستدعياً من جديد صورة السباق.

في غلاطية 14:5 يعيد القديس بولس وصية المسيح بالمحبة، هذه الفكرة لم تكن غريبة عن القديس بولس خاصة عندما تؤخذ "تسبيحة المحبة" [Agape] بعين الإعتبار. يقول في 1 كورنثوس 13. "لأن كل الناموس في كلمة واحدة يُكمل. تحب قريبك كنفسك". وبعد ذلك يميز "أعمال الروح" من "أعمال الجسد" ويربط بوضوح الأخير بالناموس القديم. وبعد ذلك من جديد يوعز ويوصي من خلال واقعية الحياة الروحية (25:5). "إن كنا نعيش بالروح فلنسلك أيضاً بحسب الروح". ماذا يعني هكذا تحريض؟ يحمل معنى قائم على الواقعية فقط إذا "العيش بالروح" يشير إلى تمامية العمل الموضوعي للعمل الخلاصي الذي للمسيح الذي الآن تمم فأتيح للجنس البشري، والذي يحيط بهم بواسطة حياة الكنيسة التي يعيشون فيها، ولكن خلاص الذي يجب أن يشاركوا فيه بنشاط والذي يجب أن "يسلكوا" فيه إذا كانوا يريدون أن يحصلوا ويتسلوا العمل النهائي للخلاص، اتحاد الإنسان بالله في الحب، في الصلاح وفي الحق.

"السلوك" هو تعبير واضح للنشاط أو للحركة نحو هدف. في غلاطية 2:6 يربط القديس بولس وصية المحبة و "السلوك في الروح" مع "ناموس المسيح". "وهكذا تمموا ناموس المسيح". إن لغة "ناموس المسيح" بالذات و "اتمام الناموس" هي لاهوتيا مهمة، لأن "ناموس المسيح" يشير إلى كل شيء مرتبط بالكنيسة في المسيح. فالحياة الرهبانية والنسكية هي بالضبط محاولة لإتمام "ناموس المسيح" هذا. فجملته الختامية في غلاطية هي:"فكل الذين يسلكون بحسب هذا القانون عليهم السلام والرحمة". ف"الخليقة الجديدة" التي يتكلم عنها القديس بولس هي حقيقة خلاصية قد تممت وبالنسبة لنا كأفراد لهم الحرية الروحية، الخليقة الجديدة هي الحقيقة التي يجب أن تشكل، هي التي تتأنى فقط من عملية عندما تتكون الحقيقة الذاتية لكل شخص في داخل الحقيقة الموضوعية "للخليقة الجديدة" التي صنعها ربنا يسوع المسيح.

أفسس

في أفسس 14:1 يستخدم القديس بولس لغة الأهمية بالنسبة ل"خلاصنا" في المسيح. "إذا آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى". ان المعنى عنا واضح: فختم الروح القدس هو "عربون" الميراث الذي نملكه عندما نكتسبه. انه نص دينامي. ذلك الملك لهكذا ميراث يتطلب أن نسلك في "الأعمال الصالحة" في وضوح في أفسس 10:12 :"لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها". في أفسس 11:6 يستعمل القديس بولس من جديد صورة الحرب ووضع "سلاح الله الكامل". "السلوك" أثيرت من جديد في 8:5 و 15:5 "أسلكوا كأولاد نور". "فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق". في 9:5 يكتب "لأن ثمر النور هو في كل صلاح وبر وحق". انه "السلوك في النور" الذي ينتج الثمر الذي هو في كل صلاح وبر وحق. وهذا وصف ك "مختبرين ما هو مرضي عند الرب".

في أفسس 14:5 يستشهد القديس بولس من نص من المحتمل أنه كان ترنيمة في الكنيسة الأولى، هذا النص الذي له رنين موضوع رهباني. "استيقظ أيها النائم". وإلى أي هدف يجب أن يستيقظ؟ في 1:5 يوصي القديس بولس "فكونوا متمثلين بالله". في 23:4 يكتب أنه يجب أن "تتجددوا بروح ذهنكم". وقد طلب إلينا "أن تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها". في 15:4 يحرص بأن "ننمو في كل شيء إلى المسيح". في 18:6 يصر القديس بولس على أهمية الصلاة "مصلين بكل صلوة وطلبة في كل وقت". كل هذه هي مظاهر من الحياة الرهبانية والنسكية.

فيليبي

تحتوي الرسالة إلى أهل فيليبي عدة تعابير التي تتصل بالحياة الروحية النشيطة. في 25:1 يتكلم عن "تقدمكم وفرحكم في الإيمان". في 27:1 يتكلم عن أن "يعيش" المرء "كما يحق للإنجيل" "أثبتوا في روح واحد مجاهدين معاً لإيمان الإنجيل". هنا "الجهاد" هو ما يكرهه نيجرن.

بالنسبة للقديس بولس أنه مطلوب منا لا أن نؤمن فقط بل أن نتألم أيضاً. في فيليبي 29:1 يكتب :"لأنه قد وهب لكم من أجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضاً أن تتألموا لأجله". ويشير إلى هذه "كجهاد" و "تجربة" في 16:2 يتكلم عن إمكانية "السعي والتعب باطلاً". في 8:3 يتكلم القديس بولس عن "ربح المسيح" وهذا في مضمون "البر بالناموس" كمعارض "للبر بالإيمان". فيليبي 3: 16- 11 هو واحد من أكثر النصوص أهمية "لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات. ليس اني قد نلت أو صرت كاملاً ولكني أسعى لعلي أدرك الذي لأجله أدركني المسيح يسوع. أيها الإخوة أنا لست أحسب نفسي أني قد أدركت ولكني أفعل شيئاً واحداً إذا أنا أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدام أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع. فليفتكر هذا جميع الكاملين منا وأما ما قد أدركناه فلنسلك بحسب ذلك القانون عينه". هنا القديس بولس يتكلم عن إدراك المسيح "وإدراك المسيح له". إن العمل التدائبي واضح وواقعي. هنا اللغة كلها في المقطع تدل وتؤكد عمل الله وعمل الإنسان والحقيقة المجردة للخلاص المتمم وعملية "إدراك الإنسان" و "الإمتداد إلى الأمام" إلى الهدف الحقيقي الذي لا يحقق إذا لم يصبح الإنسان نشيطاً روحياً. الصيغ الفعلية اليونانية ل "لعلي أبلغ" و "لعلي أدرك" ليست بلا معنى.

في فيليبي 4: 8 9 يتكلم القديس بولس بشكل جامع كما يفعل في رومية 1. كل ما هو حق، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل كل ما هو ظاهر كل ما هو مسر كل ما صيته حسن إن كان فضيلة وإن كان مدح ففي هذه افتكروا". هذه الصفات الحق، العدل، الطهارة، المسرة ليست الصفات التي تغيرت كلياً بواسطة الخليقة الجديدة التي صنعها تجسد الإله الإنسان، لم تأتِ إلى الوجود ولم تتثورن بواسطة الفكر المسيحي. بل هي موجودة داخل الطبيعة البشرية والوجود. هذه يعرفها كل ضمير عفويا. ما فعلته المسيحية، مهما يكن، هو أن تفتح طريق جديدة للجنس البشري حتى يشارك في الحق والعدل والطهارة بطريقة جديدة وبقوة جديدة بالمسيح. هذه الصفات لم تعد موجودة كمثال وكمطلق، ولكن وجودياً يمكن للطبيعة البشرية الحصول عليها من خلال الخلاص. فالقديس بولس يتكلم هنا لغة أفلاطونية تقريباً ولكنها بكاملها مسيحية.

كولوسي

في رسالة القديس بولس إلى أهل كولوسي 1: 22 23 و29 ترسم حقيقة التداؤب "وقد صالخكم الآن في جسم بشريته بالموت ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه. إن ثبتم على الإيمان متأسسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل الذي سمعتموه".

إن المصالحة الحقيقية هي موجودة الآن ولكن حتى يشترك بها المرء يجب عليه أن يكون مقدساً وبلا لوم وبلا شكوى، وهذا متوقف على أهمية "إن" "إن ثبتم على الإيمان". في آية 29 نواجه أفكار "الكمال"، "التعب" و "الجهاد" أو "الشدة". لكي نحضر كل إنسان كاملاً في المسيح يسوع الذي لأجله أتعب أيضاً مجاهداً بحسب عمله الذي يعمل فيّ بقوة. تعبّر كولوسي 10:1 عن نفس فكرة "كما يحق"، "للرب في كل ؟؟؟" "مثمرين في كل عمل صالح" و "ونامين في معرفة الله". ولكن القوة بالذات تأتي من قدرة مجد الله. "متقوين بكل قوة بحسب قدرة مجده". وتعبر كولوسي 2: 6 7 عن الإرادتين الروحيتين والأعمال في عملية الخلاص. "فكما قبلتم المسيح يسوع الرب أسلكوا فيه وموطدين في الإيمان كما علّمتم".

ان عمق فكرة التداؤب توجد ليس في الإشتراك بموت وآلام المسيح بل أيضاً في الإشتراك في قيامته. في كولوسي 1:3 يكتب القديس بولس :"فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق". يستمر القديس بولس باستخدام الإرشاد الإلزامي في الإصحاح 3. "فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض: الزنا، النجاسة، الهوى، الشهوة الردية، الطمع الذي هو عبادة الأوثان" (5). "فاطرحوا عنكم أنتم أيضاً الكل" (8). وأيضاً يوصي (2:4) أن يواظب على الصلوة والسهر.

تسالونيكي الأولى والثانية

في 1 تسالونيكي يكمل القديس بولس فكرته حول الناحية الثانية لعملية الخلاص بإشارته إلى "عمل الإيمان" (3:1)، بالتعبير عن الإهتمام أن "يصير عملنا باطلاً" في (5:3)، بإعازه "إذا ثبتم أنتم في الرب" (8:3)، بإرشاده كي نلبس "درع الإيمان والمحبة" (8:5)، وبوصيته ان امتحنوا كل شيء، تمسكوا بالحسن، إمتنعوا عن كل شبه شر (5: 21- 22). ففي 10:3 يكتب القديس بولس :"طالبين ليلاً نهار ونكمل نقائص ايمانكم". لماذا الحاجة لنسوي تقائص الإيمان، إذا الإيمان "وحده" هو المقياس الوحيد للخلاص كما تؤمن به بعض المدارس اللاهوتية المتجذرة في تقليد الإصلاح؟ في 4: 4 5 يكتب القديس بإهتمام "هذه هي إرادة الله: قداستكم ان يعرف كل واحد منكم أن يقتني إناءه بقداسة وكرامة". هدف الحياة الروحية في المسيح هنا هو القداسة والنص المهم هو أن "يعرف كيف يقتني" هذا "الإناء". مثل هذه اللغة تعبر عن دينامية في عملية التداؤب للخلاص. في 9:5 يستعمل القديس بولس تعبير لإقتناء الخلاص". في 2 تسالونيكي 14:2 يستعمل القديس بولس تعبير "لإقتناء مجد ربنا". في 2 تسالونيكي 11:1 يصلي القديس بولس أن يؤهلهم للدعوة ويكملوا كل "مسرة الصلاح وعمل الإيمان بقوة".

تيموثاوس الأولى والثانية

في 1 تيموثاوس 1: 5 6 نقرأ:"وأما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء. الأمور التي زاع قوم عنها انحرفوا". في 1: 18 19 تستخدم صورة الحرب من جديد. "هذه الوصية أيها الإبن تيموثاوس استودعك إياها لكي تحارب فيها المحاربة الحسنة ولك إيمان وضمير صالح الذي إذا رفضه قوم انكسرت بهم السفينة من جهة الإيمان".

في 1 تيموثاوس 2: 1 3 توجد نفس كثافة العمل الروحي الذي يوجد في الأدب الرهباني والنسكي:" فأطلب أول كل شيء أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس لأجل الملوك وجميع الذين هم في منصب لكي نقضي حيوة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار. لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله الذي بربد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون". إن نفس التأكيد يستمر في 4: 7 10 خاصة في تعابير "روّض نفسك" و "لأننا لهذا نتعب ونعيّر". و1 تيموثاوس 6: 11 12 من جديد يشدد على "الجهاد" الذي "يمسك" ذلك الذي تُمم واقعياً في الخلاص. "جاهد جهاد الإيمان الحسن وأمسك بالحيوة الأبدية". وفي الآية التي تسبقها يُطلب "اتبع البر والتقوى والإيمان والمحبة والصبر والوداعة". ما هو المعنى الروحي الذي يستطيع هذا التعبير "اتبع البر" أن يدل إلا أن يشير حقيقة إلى أنه بالرغم من أن "بر الله" ثُبّت في المسيح يسوع، ما زال علينا أن نجاهد بنشاط في الحرب الروحية حتى "نمسك" هذا "البر"؟ في 1 تيموثاوس 9:5 كان من الواضح أن "الأرامل" من عمر معين لهن مكان خاص في حياة الكنيسة الروحية. "لتكتتب أرملة". تكتتب في ماذا؟ من الواضح أنع عمل خاص في حياة الكنيسة الروحية الذي فيه اكتتبت الأرامل، كان شكلاً خاصاً من العمل الروحي في حياة الكنيسة الأولى.

في 2 تيموثاوس 6:1 يًظهر بوضوح أن كلا الحقيقة الموضوعية لهبة الخلاص والعمل الفردي النابع من الذات ضروريات حتى "يمسك" هذا العمل الخلاصي. "أُذكرك أن تضرم موهبة الله فيك". التداؤب الخلاصي قيل في 2: 11 12 مع كل أهمية "إن". إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه. إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه". في 21:2 القداسة متوقفة على التنقية الذاتية. "فإن طهّر أحد نفسه يكون إناء للكرامة مقدساً". في 22:2 نُتعظ من جديد "أما الشهوات الشبانية فأهرب منها" و "اتبع البر والإيمان والمحبة والسلام" و "دعوة الرب" يجب أن تكون "من قلب نقي". في 7:4 يُقدم طريق الخلاص من جديد كجهاد "قد جاهدتُ الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان".

عبرانيين

الرسالة إلى العبرانيين غنية بفكرتها من ناحيتي الخلاص عمل الله والجهاد الروحي من جانب الإنسان. في 14:3 اللغة ملفتة للنظر. "لأننا قد صرنا شركاء المسيح إن تمسكنا ببراءة الثقة ثابتة إلى النهاية". في 1:4 الفكرة مشابهة. "فلنخف أنه مع بقاء وعد بالدخول إلى راحته يرى أحدٌ منكم أنه قد خاب منه". إن فكرة "الدخول لهذه الراحة" استمرت في 11:4 "فلنجتهد أن ندخل تلك الراحة لئلا يسقط أحد في عثرة العصيان". في 1:6 "بداءة" العملية قيلت وزوفقت بالطلب: "لنتقدم إلى الكمال". في 11:6 يجب على المرء أن يظهر الإشتياق "ليقين الرجاء إلى النهاية!". نفس الطلبات لـ "إسمحوا لنا" موجودة من خلال عبرانيين. في 10: 22 23 أنه "لنتقدم بقلب صادق" و "لنتمسك بإقرار الرجاء راسخاً".

في 1:11 يُقدم تعريف للإيمان. "وأما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأعور لا تُرى". هذا التعريف للإيمان غالباً ما يُتخلى عنه سريعاً. وهو ذات فكرة عميقة، خاصة عندما يعتبر التركيب الأصلي اليوناني. فالإيمان هو "الثقة" و"الحقيقة" التي عليها بُني "رجاء" الإيمان المسيحي. وفي حقيقته يحتوي على البرهان الصحيح، والشهادة على الملكوت السماوي. فالأحد عشرة اصحاحاً بكاملهم يبينوا أن الإيمان كان نشيطاً تحت "الناموس القديم"، بالرغم من أن إيمان المسيح والإيمان به له أهمية وجودية عميقة بالضبط لأنه الثقة في الحقيقة الجديدة التي ليست موجودة في الناموس القديم. فبعد عرض مطول لأمثلة عن "الإيمان" تحت "الناموس القديم"، تمتلىء الرسالة إلى العبرانيين في 1:12 بالإرشاد والذي يرتبط بلب النشاط الروحي للإيمان الجديد. "لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهولة ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا". ويشدد على حقيقة "التأديب" في عبرانيين خاصة في 7:12: "إن كنتم تحتملون التأديب". وأنه يمكن أن أحداً "يخيب من نعمة الله". 15:12.

بطرس الأولى والثانية

في 1 بطرس 9:1 أنه ليس بداية الإيمان أو الإيمان بشكل عام ما ينتج الخلاص ولكن بالتحديد "غاية الإيمان" "هي التي تجلب" الخلاص. المواضيع الرئيسية التي تشتمل عليها رسالة بطرس الأولى هي الطاعة والطهارة. "طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح للمحبة الأخوية العديمة الرياء فأحبوا بعضكم بعضاً من قلب طاهر بشدة" (22:1). فعملية النمو في الحياة الروحية تشدد عليها في 2:2: "لكي تنموا في الخلاص". "الحرب" بين الشهوات والنفس يُتكلم عنها في 11:2: "أطلب إليكم كغرباء ونزلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التي تحارب النفس". في 2 بطرس 11:4 يعبر عن فكرة لاهوتية عميقة. المواعيد التي أعطاها الله هي عظيمة وثمينة، الفساد في العالم هو بسبب الشهوة، والإنسان لا يستطيع فقط أن يهرب من الفساد بل يستطيع أن يصبح شريكاً في الطبيعة الإلهية، هذه الفكرة قد نمت في المسيحية الأولى وفي فكر اللاهوت الأرثوذكسي الشرقي التي تضع الأساس لعقيدة التأله، "قد وُهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة". لذلك بالضبط طُلب منا في الآيات التالية أن نكمّل ايماننا وحينئذ تُقدم عملية النمو الروحية الدينامية. "ولهذا عينه وأنتم باذلون كل اجتهاد قدموا في ايمانكم فضيلة وفي الفضيلة معرفة وفي المعرفة تعففاً وفي التعفف صبراً وفي الصبر تقوى وفي التقوى مودة أخوية وفي المودة الأخوية محبة".

في 2بطرس 10:1 هناك ذكر "الدعوة" و "الإختيار" للمرء. ومع ذلك يطلب من المرء في نفس النص أن يكون "مجتهداً" تماماً لكي يُثبت هذه "الدعوة والإختيار". اجتهدوا أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين". وفي 2: 20 22 السقوط من "طريق البر" ليس فقط مستطاع ولكنه يحصل حقيقة وأنه أكثر سوءاً لو لم يعرف المرء "طريق البر" مطلقاً. والنصوص تتكلم عن هؤلاء الذين عندهم "معرفة الرب كاملة" لأنهم إذا كانوا بعدما هربوا من نجاسات العالم بمعرفة الرب والمخلص يسوع المسيح يرتبكون أيضاً فيها فينغلبون فقد صارت لهم الأواخر أشر من الأوائل. لأنه كان خيراً لهم لو لم يعرفوا طريق البر من أنهم بعدما عرفوا يرتدون عن الوصية المقدسة المسلحة لهم. قد أصابهم.

رسائل القديس يوحنا

نصادف في رسائل القديس يوحنا اللغة ذاتها، كما نصادف حقيقة ناحيتي الخلاص. هناك نفس الـ "إذا"، ونفس التأكيد على الطهارة (أنظر 1 يوحنا 3:3)، كذلك اللغة ذاتها عن "إرضاء الله" ونفس التشديد على "حفظ الوصايا" "وعدم الخطيئة". فالعلاقة عضوية بين محبة الله وحفظ وصاياه التي تشكّل المدى الكامل لوصايا المسيح.

رسالة القديس يعقوب والتقييم اللوثري

إن موقف لوثر من رسالة القديس يعقوب معروف جداً. لم يضع لوثر فقط رسالة القديس يعقوب في القسم الأخير من الإنجيل الإلماني، بل أيضاً وضع رسائل العبرانيين ويهوذا والرؤية. والمعيار الذي اعتمده في هذا الترتيب هو كون هذه الرسائل تشكو نقصاً في "النقاوة" الإنجيلية. وهو لم يكن الأول الذي فعل ذلك. فزميله كارل ستادت في وتن برغ، الذي ما لبث أن انقلب ضده، كان قد بيّن قبله الفرق بين أسفار العهد الجديد وكتب أسفار العهد القديم. ففي أوائل سنة 1520، قسم كارل ستادت النصوص الكاملة للكتاب المقدس إلى ثلاثة أقسام: أولاً Libri Summac dignitatis الذي يشمل pentateuch وكذلك الأناجيل، Libri secundac dignitatis التي ضم إليها الأنبياء والرسائل الخمسة عشر، و Libri tertiac dignitatis.

لقد رفض لوثر رسالة يعقوب لاهوتياً ولكن للضرورة احتفظ بها في الإنجيل الإلماني، حتى ولو كملحق. فخاتمة مقدمة لوثر لترجمته للإنجيل الإلماني والتي ألغيت فيما بعد في الترجمات الأخرى لهذا الإنجيل تقول في لغة ذلك العصر الإلمانية :"لهذا السبب ان رسالة القديس يعقوب هي بكليتها رسالة غير ذي قيمة لأن ليس لها بالحقيقة أية أهلية إنجيلية". لقد رفضها لاهوتياً "لأنها تعطي التبرير للأعمال التي تتناقض مع بولس وكل نصوص الكتاب المقدس الأخرى لأنها بينما الغاية منها هو تعليم الناس المسيحيين، لم تذكر مرة واحدة الآلام والقيامة وروح المسيح، لقد وردت كلمة المسيح مرتين، دون أن تعلم شيئاً عنه، لقد دعت الناموس ناموس الحرية بينما دعاه بولس ناموس العبودية الغضب، الموت والخطيئة".

وحتى أن لوثر قد أضاف كلمة "وحده" "وحيد" في الرسالة إلى أهل رومية 28:3 قبل "من خلال الإيمان" فقط حتى يناقض الكلمات التي وردت في رسالة يعقوب 24:2 "ترون إذا أنه بالأعمال يتبرر الإنسان لا بالإيمان وحده". وعلاوة على ذلك لقد أصبح لوثر عنيفاً ومتعجرفاً في رده على الإنتقادات التي وجهت له بسبب إضافة كلمة "وحده" إلى النص الإنجيلي. "فإذا أثار أحد ينتمي إلى المذهب الكاثوليكي عندكم ضجة كبيرة حول كلمة Sola، وحيد allein، أخبروه حالاً: أن الدكتور مارتن لوثر قد وضعها هكذا ويقول: إن المنتمي إلى المذهب الكاثوليكي والدابة هما شيء واحد، Sic Volo, sicjubeo, sit pro ratiome volunta 5 . لأنه لا نريد أن نكون تلامذة وأتباعاً لهم. ولكن أسيادهم وقضاتهم". يتابع لوثر بطريقة ساخرة، في محاولة لتقليد القديس بولس عند رده الأخير على خصومه، فيقول:" هل هم دكاترة؟ فأنا كذلك. هل هم متعلمون؟ فأنا كذلك. هل هم واعظون؟ فأنا كذلك. هل هم لاهوتيون؟ فأنا كذلك. هل هم فلاسفة؟ فأنا كذلك. هل يؤلفون كتباً؟ فأنا كذلك. وسأتباهى بأنني أستطيع أكثر منهم تفسير سفري المزامير والأنبياء, بينما هم لا يستطيعون ذلك. أنا أستطيع الترجمة، أما هم فلاوهكذا ستبقى كلمة وحده "في إنجيلي العهد الجديد ولو غضب البابوات الدواب وجنوا فلن يستطيعوا نزع هذه الكلمة". ففي بعض الترجمات الإلمانية كلمة "وحده" قد طبعت بأحرف كبيرة! لقد اتهم بعض نقاد ترجمة لوثر بأن لوثر قد عمد قصدا إلى الترجمة غير الدقيقة لكي يدعم آراءه الدينية. ففي أوائل 1523 ادّعى د. امزر الذي كان معارضاً للوثر. أن ترجمة لوثر للكتاب المقدس قد احتوت على ألف غلطة في قواعد اللغة العربية وأربعمائة غلطة منافية للدين. هذا مبالغ فيه ولكن الحقيقة تبقى أنه يوجد أخطاء عديدة في ترجمة لوثر.

في الواقع، أن موقف الإصلاح الديني برمته إزاء كتب العهد الجديد يتعارض مبارشة في هذا الموضوع ورأي القديس أوغسطين، الذي حظي على منزلة كبيرة من نواحي كثيرة، عند لاهوتي الإصلاح الذين استوحوا منه أسس رؤيتهم اللاهوتية خاصة في القدرية، الخطيئة الأصلية، والنعمة التي لا تقاوم عند لوثر وكالفن. ولا يوجد في هذا الموضوع، كما في غيره أية أرضية مشتركة بين لوثر وكالفن من جهة والقديس أوغسطين من جهة أخرى. لقد كتب القديس أوغسطين "يجب أن لا أصدق الإنجيل ما عدا الذي تطلبه السلطة في الكنيسة". ويجدر الإشارة أن كالفن لم يأخذ موقفاً معارضاً من رسالة يعقوب.

لقد وقع لوثر في احبولة استخلاصه البر سلبياً. وكان مستاءاً بسبب خبرته كراهب في ممارسة ما أسماه "البر للأعمال"، وأخطأ أيضاً في محاولته أن يخلق معنى خاصاً لخط زاحد من فكر القديس بولس لدرجة أنه افتقد الأساس الأصلي الذي منه انبثقت آراء القديس يعقوب واعتبر ذلك مشيئة وإرادة الله. إن انتقاد لوثر بأن القديس يعقوب لم يذكر الآلام، القيامة، وروح المسيح هو تافه، لأن قراء القديس يعقوب عرفوا ما أودع الرسل كان لا يوجد أية حاجة أن يذكر كنه وجوهر الإيمان الحي الذي كان معروفاً لدى قراء الرسالة. فهكذا نقد للوثر يكشف النقص الكبير في الحس أو الفهم للحياة التاريخية للكنيسة الأولى. لأن الكنيسة كانت موجودة ومن الكنيسة وللكنيسة كتبت الرسائل. تاريخياً، وجدت الكنيسة قبل أن يكتب أي نص "للعهد الجديد". لقد وجدت الكنيسة وأسست على التقليد الشفوي المستلم من الرسل، كما يظهر بوضوح من صفحات كتاب العهد الجديد.

إن الأسس بحد ذاتها التي ترتكز عليها الرؤية اللاهوتية للقديس يعقوب هي إرادة الله. ففي 1: 17 18 يكتب القديس يعقوب:" كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران. شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه". وفي 15:4 يكتب القديس يعقوب:" عوض أن تقولوا انشاء الله وعشنا نفعل هذا أو ذاك". من الوجهة اللاهوتية يُعتبر النص في رسالة القديس يعقوب ضعيفاً في الآية 8:4 :"إقتربوا إلى الله فيقترب إليكم". فإذا أخذت هذه الآية بمفردها تجد فيها صدى لآراء بلاجيوس. ففي الأدب الرهباني والنسكي نصادف كثيراً من هذه التعابير. ولكن المعنى في كلا الرسالة والأدب الرهباني والنسكي يجب أن يفهم من ضمن سياقها العام. فعندما يحدث التداؤب لعملية الخلاص داخل القلب الإنساني، عندئذ تصبح النسبة الوجودية بين النعمة والتجاوب معها فاعلة كثيراً حتى أنه تستطيع، كما يفترض، استخدام هذه التعابير، بالضبط لأن يحسب أن الله قد بدأها وأن النعمة دائماً تعمل في قلب الإنسان، في كل أعماق داخل الإنسان كما في خارجها. إن نص رسالة يعقوب يجب أن يفهم من سياق هاتين الآيتين 18:1 و 15:4 ، وأكثر من ذلك يجب أن نلاحظ أن هذا النص قد استُبق بـ "اخضعوا إذاً لله". وفي كوننا "خاضعين لله" قد حددت العلاقة، هذه العلاقة التي تفرض مسبقاً مبادرة الله وتجاوب الإنسان.

إن رسالة يعقوب تضم تعابير كثيرة والتي ستستخدم في الحياة الرهبانية والنسكية. التجربة (14:1)، الشهوات (1:4)، تنقية، تطهير واتضاع الذات (4) "اكتئبوا ونوحوا وابكوا" (9:4) . الكلمات الجارحة ضد الأغنياء (5: 1 6) القسم الرهباني للفقر.

حياة الكنيسة الأولى

إن حياة الكنيسة الأولى كما وصفت بأعمال الرسل واضحة جداً حتى أنه من غير الضروري أن نعرض أو نحلل. نصوص لنبرهن أن الضرورات موجودة كنوع من الروحانية الشبيهة بتلك التي تتصف بها المسيحية الرهبانية والنسكية. والجدير ذكره أيضاً هو حياة القديس يوحنا المعمدان:" أنه على قاعدة صلبة قد رفع تلميذ ينتمي إلى أصول رهبانية مثل Dom Germain Morin تناقضه الظاهر: أنها لم تكن الحياة الرهبانية التي كانت بدعة جديدة في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، ولكن أكثر منها حياة التكيف مع العالم الذي قاده أعداد كثيرة من المسيحيين في الوقت الذي توقفت به الإضطهادات. إن الرهبان في الحقيقة لم يعملوا شيئاً سوى حفظ مُثل الحياة المسيحية في الأيام الأولى وسط ظروف متغيرة ويوجد سلسلة أخرى مستمرة من الرسل إلى المتوحدين النساك وبعدئذ إلى الرهبان من الأديار، الذي مثلهم، هي أقل غرابة مما تظهر، انتشرت بسرعة كبيرة في الصحراء المصرية في نهاية القرن السادس الميلادي. هذه السلسلة تتألف من الرجال والنساء الذين عاشوا في ورع ونسكية وبتولية، الذين لم يتوقف تكريمهم في الكنيسة القديمة.

من مجموعة أعمال. جورج فلورفسكي، المجلد العاشر، الآباء الروحيين والنسكيين البيزنطيين (فادوز، اوروبا: Buchorvertriebsantait ، 1987)، صفحات 17 59.

كمصدر أول لمعالجة الفكرة الآبائية التي تقول أن نعمة الله تجعل المرء باراً. أنظر عن تجسد كلمة الله للقديس أثناسيوس الكبير. هنا نبذة مهمة عن هذه الفكرة:

لأنه ليس الأشياء دون الكائن في حاجة إلى الخلاص، حتى أن مجرد وصية تفي بالغرض، ولكن الإنسان الموجود أصلاً كان ذاهباً إلى الفساد والدمار. لهذا كان من الطبيعي أن يستخدم الكلمة آلة انسانية ويكشف ذاته حيثما كان. ثانياً يجب أن تعرف هذا أيضاً أن الفساد ليس خارج الجسد ولكنه ملتصق به، والمطلوب أنه بدلاً من الفساد يجب أن تلتصق الحياة به. حتى كما يتولد الموت في الجسد كذلك يجب أن تتولد الحياة فيه. حاضراً لو كان الموت خارج الجسد لتولدت الحياة خارجة أيضاً. ولكن إذا لفّ الموت الجسد وكان مسيطراً عليه كأنه متحد به، يفترض أيضاً أن تحيط الحياة عن قرب بالجسد حتى يستطيع الجسد أن يطرح الفساد بلبسه الحياة بدل الموت. بالإضافة إلى ذلك، حتى إذا حسبنا أن الكلمة قد جاء خارج الجسد وليس فيه، لكان حقيقة قد صرع الموت، في تطابق كامل مع الطبيعة، فيما ليس للموت قدرة تستطيع أن تقهر الحياة، لكن مع ذلك كان ليبقى الفساد ملتصقاً بالجسد. لهذا السبب لقد لبس المخلص بحدود المعقول الجسد، حتى يستطيع الجسد، وهو ملتف حول الحياة أن لا يعود مائتاً، يسكن في ظلال الموت، ولكن لابساً عدم الموت، يجب حينئذ أن يقوم من جديد ويبقى خالداً. لأنه لو سبق ولبس الفساد كان لا يمكن أن يقوم من جديد إلا إذا سبق ولبس الحياة. والموت كذلك لا يستطيع أن يظهر إلا في الجسد.

لذلك لبس الرب جسداً حتى يجد الموت في الجسد ويمحوه. لأنه كيف كان يمكن للرب أن يبرهن أنه الحياة إن لم يحي ما هو مائت؟ أولاً، تماماً كما يفترض، بما أن أصول الزرع يقضى عليها طبيعياً بالنار، أن يبعد الإنسان النار عن أصول الزرع، مع أنها غير مشتعلة، تبقى الأصول مع ذلك مجرد أصول، تخاف وعيد النار لأن النار عندها ميزة طبيعية لأكلها، بينما، ثانية، إذا أحاطها الإنسان بكمية من الحرير الصخري، المادة المضادة للنار، لن تعد أصول الزرع تخاف النار كونها في أمان محاطة بمادة غير قابلة للإحتراق! بهذه الطريقة يمكن للمرء أن يقول بالنسبة للجسد والموت. أنه إذا بقي الموت بعيداً عن الجسد بمجرد أمر من الله، أنه مهما يكن يبقى ميتاً وفاسداً بحسب طبيعة الأجساد. ولكن هذا لا يجب أن يكون، أنه يلبس كلمة الله الروحاني وهكذا لن يعود يخاف الموت أو الفساد لأن الحياة له كثوب وبها يتخلص من الفساد.